... (وهى هجرة تتضمن (من) و(إلى)، فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غير الله ورجائه، والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله، والخضوع له، والاستكانة له، إلى دعائه وسؤاله والخضوع له، والاستكانة له، وهذا بعينه معنى الفرار إليه، قال تعالى : ﴿ ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين ﴾ (الذاريات: 50)، والتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه)(1)0
... فمقتضى التوحيد يتضمن الفرار إلى الله، وهو الولاء له ولرسوله وشرعه، والبراء مما سواه 0
احذر الاستدراج
... ومن مقتضى الإخلاص كذلك، أن لا تكون الدعوة مما يراد بها الدنيا، فترى حماسة الداعية ملتهبة ما دام مرتاحاً فى بلده، آمناً فى سربه، فإن أصابته فتنة، أو عمت عليه مصيبة، انقلب على وجهه، وتنكر للدعوة وأصحابها، واختلطت عليه الرايات، وتبدلت أمامه المواقف، فإن ذلك هو الانقلاب على العقبين، بل هو الخسران المبين0
﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ﴾ (الحج : 11)0
... فالفتنة ينكشف فيها معدن الرجال، ويتميز بها الإخلاص الحقيقى عن الرياء، سواءً أكانت الفتن من النعم أم النقم، وهى علامات للإنسان يكشف بها عن طبيعة إيمانه، فينبغى للداعية إذاً أن ينظر لهذا الأمر الجلل، ليعرف مدى الإخلاص الحقيقى، ويحذر من الاستدراج، فقد يجلب له السفر مع الدعاة مغنماً، أو يمنح لارتباطه مع القافلة مركزاً، فيجعل الله له الثواب فى الدنيا، ويمنع عنه أجر الآخرة، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، بينما عمله عرضة للإحباط، لقد قال تعالى :
... ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ﴾ (هود : 15)0
(1) الرسالة التبوكية : 18 0