... فانظر –أيها الداعية- إلى تأمل الراشد، وكيف يخشى على الداعية القديم قبل الداعية الجديد، وكيف يحذر من استطالة الأمد ومن ثم قسوة القلوب، وإن عدم التزود للسفر قد يقود للانقياد للعدو، أو اللجوء لغير الله تعالى فينتقل به المرء من حكم ظالم إلى أظلم، ومن جور إلى أشد جوراً، وانظر كذلك كيف يحذر من خطفات المنايا، وان لا يركن الداعين إلى ما يراه من أمان، أو يشعر به من اطمئنان، فإن هذا عين الاغترار، فالحصن الحصين هو الالتجاء لذى القوة المتين، ويتمم الخليفة الراشد رسالته إلى الدعاة، بما يغنى عن الشرح، وكأنه ينظر بعين الله إلى حال المسلمين اليوم، ويرشدهم إلى ما يحسن النقلة، ويجمل الرحلة بالتزود لها حتى يستوثق المسافر من النجاة (إن الدنيا ليست قدار قرار، دار كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن، فكم عامر موثق عما قليل يخرب، وكم مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة، فأحسن ما يحضر بكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، إنما الدنيا كفئ ظلال قلص فذهب، بينا ابن آدب فى الدنيا منافس00 إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر، إنها تسر قليلاً، وتجر حزناً طويلاً 00)(1)0
أول الزاد
... وأول الزاد ومتبدأه، وأساس التزود ومنتهاه، إنما هو الإخلاص، لأن كل عمل لا يراد به وجه الله باطل، وهجرة البدن ينبغى لها أن تكون لله تعالى ورسوله، وإلا فهى للدنيا أو ما يتفرع عنها، كما فى الحديث الصحيح المشهور0
... وكذلك سفر الدعاة هو النوع الثانى من الهجرة، وهى الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وهى التى لا تقطع المفاوز إلا بها، ولا تنقضى المراحل إلا بمعيتها، وهى الفرض العينى على المسافر فى قطار الدعوة، فاستمع –أيها الداعية- إلى قول أخيك ابن القيم –رحمه الله- يناديك من زمن :
(1) المرجع السابق : 258 0