... ولما كان علمية العلم والتعليم القرب من الله تعالى، وليس طلب الدنيا بها، ففى هذا المعنى صلاح للمعلم والمتعلم، إذ فيه يتذكر المتعلم أن مآل العلم القرب إلى الله، وإن قصد القراءة والاستماع تحلية الباطن، وأن لا يكون التعليم الدعوى، غايته المباهاة بين الأقران، أو التفاخر فى النوادى والمجالس، أو تطلب به المراكز والمنافسات، فالتعليم الدعوى لابد له من حسن النية، وسلامة القصد، فهو حديث القلوب للقلوب، وكل حديث او استماع مرتبط بالنية والصحة وعليها مدار الثواب والعقاب 0
(26) النفق المظلم
... قد يصادف القطار فى طريقه نفقاً مظلماً، وطريقاً شائكاً متعرجاً، لا يستطيع الراكب فيه أن ينقذ نفسه، أو ينجو بإخوانه، مهما كان وضعهم داخل المركبة مستقراً، والتوافق بينهم تاماً، والخطط فى أذهانهم معدة والحماسة بين جنباتهم وافرة، ما لم تكن أضواء القطار ذاته كاشفة، ومسالك الطريق معروفة، كى لا يضيع السائر مساره، أو يتناثر أشلاء تحت وقع الكارثة، أو يسرف فى التفاؤل عندما يبصر نوراً فى آخر النفق، وقد يكون مجرد أنوار قطار يسير بالاتجاه المعاكس0
... إن مثل هذا النفق، كفتن الخلاف بين المسلمين، إذ بينما يسير الدعاة فى ركبهم الميمون، والطريق سالكة، والناس يركبون وإياهم الواحد تلو الآخر، وصولاً للمحطة التالية، إذ يصطدم المسلمون فيما بينهم، ويبقى بعضهم على بعض، فتلتف الظلمات، وتنطفئ الأنوار، ويضطر ركب الدعاة إلى ركوب الظلمة، ودخول النفق، إذ لابد لهم منه، وهم مضطرون لذلك باعتبارها من جماعة المسلمين، فإذا لم تكن البصائر على يقين، والأبصار على وضوح، فالكارثة ستقع لا محالة، والقطار سيتحطم ولا ريب، وأنواع القطار الكاشفة، المتمثلة فى فقه الفتن هى التى تفدع الكارثة، وتوضح مسالك الطريق0
هدى السماء يضىء النفق