... والأصل فى المفتى والكاتب والداعية والخطيب إبلاغ العلم لأهله على هذا المنوال، وقد قال ابن القيم عن المفتى – مثلاً – مما يقاس عليه غيره من أهل التربية والتعليم (لا يجوز للمفتى الترويج وتخيير السائل، وإلقاءه فى الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبين بياناً مزيلاً للإشكال، متضمناً لفصل الخطاب، كافياً فى حصول المقصود، لا يحتاج معه إلى غيره(1)0
... وقد ورد فى النصوص نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الأغلوطات، وهى الألغاز الملتوية، وهذا الدليل، وإن لم يكن مباشراً إلا أن الإمام الأوزاعى – رحمه الله- أخذ هذا المعنى المراد من الحديث 00 فقال مفسراً : (يعنى صعاب المسائل)(2)0
... وكما أن الأمر ينطبق على المعانى، فهو أيضاً ينطبق على الألفاظ فاختيار الواضح منها أولى من اختيار الغامض، والبلاغة الحقة فى اختيار المفهوم، وترك المعقد، فالبيان فى بعض ما قيل عنه :
... (أن يكون الإسم يحيط بمعناك، ويحكى عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة، والذى لابد منه أن يكون سليماً من التكلف بعيداً من الصنعة، بريئاً من التعقد، غنياً من التأويل)(3)0
... ويتفرع عن هذه القاعدة، كراهية التقعر والتكلف فى الكلام، وكراهية البعد عن السهل المفهوم فى الحديث، واختيار الأنسب من الجمل والكلمات، والأقرب للمدارك والأفهام، وكذلك لابد من المرونة فى الأخذ والعطاء، وعدم إظهار المعرفة، ولو كانت أكثر من الآخرين، والاعتراف بالخطأ والزلل عند التنبيه عليه، وعزو العلم إلى أهله، ولقد قال الحسن البصرى: ((إذا ترك العالم قول لا أدرى، فقد أصيبت مقاتله ))0
التدرج من التربية 000
(1) إعلام الموقعين : 4/228 0
(2) عيون الأخبار : 2/117 0
(3) المرجع السابق : 2/173 0