... يا الله، ما أصدق هذا الكلام، فكيف يذهب أهل الفتن وأصحاب الانشقاق، إلى الموارد البعيدة، ويشربون عكر الموارد، فلا يكشفون إلا مساوئ الأتقياء، وينبشون ما كان مدفوناً، حتى يتحول النقد إلى الأشخاص، بل الأسرة0
من أسباب الفتن 00
... وللفتن أسباب وعلل، كما أن لها عوامل وظروفاً، تساعد على انتشارها، وتعاون على نموها، ولا يمكن علاج الفتن، أو منعها، إلا بمعرفة أسبابها، وأول هذه الأسباب الطعن فى الأمراء، لأن الرضا عنهم غاية لا تدرك، فالكمال معوز، ومعظم الناس بعيدون عن الإنصاف، ولهذا كان :
... (00 شأن الرعية قلة الرضا عن الأئمة، وتحجر العذر عليهم، وإلزام اللائمة لهم، ورب ملوم لا ذنب له، ولا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة، إذ كان رضا جملتها، وموافقة جماعتها، من المعجز الذى لا يدرك، والممتنع الذى لا يملك، ولكل حصته من العدل، ومنزلته من الحكم)(1)0
... وهذه قاعدة مطردة فى الجماعات والدعوات، وحتى لو أنصف معظم الأتباع، فسوف تبقى قلة لا ترضى، وتظل طائفة، لا ترى إلا المساوئ، مما يقتضى أن يكون للأمير أو الداعية قلب واسع، وصدر رحب، وقدرة على تحمل الأعباء، وجلد على سماع النقد، وقد قيل فيمن يحصل على ولاية :
... ... تولاها وليس له عدو
... ... ... ... ... وفارقها وليس له صديق
... أى قد يأتى شخص وكل الناس يحبونه، وإذا به بعدها وكل الناس يبغضونه، ولذلك قال سفيان الثورى –رحمه الله : (( أحب أن يكون صاحب العلم فى كفاية، فإن الآفات إليه أسرع، والألسن إليه أسرع))(2)0
... وكما ينبغى ذلك لصاحب العلم، فمن تأمر على آخرين أولى بذلك، وما شوهد فى التاريخ القريب أو البعيد، أن عالماً سلم من الألسنة، أو أميراً نجا من الملامة، ولكن لكل مخلص أجره واجتهاده، ويزداد الأجر بازدياد الصبر، وطريق الدعوة إلى الله تعالى الصبر على أذى الخلق0
(1) العقد الفريد : 1/8 0
(2) سير أعلام النبلاء : 7/254 0