... فلينظر كيف تتأسس الضلالة، وأنها بداية من التناجى فى الدين، إذ النجوى، تقود إلى النقاش الجانبى بعيداً عن أجواء العلم المثمر، وفى منأى عن الجماعة المؤمنة، فتتحول الهمسة إلى كلمة، والكلمة إلى مناقشة، المناقشة إلى خلاف، ويلتف الضعاف وأصحاب الهوى حول داعية الفتنة الأول فى البداية، ثم ينخدع معهم أصحاب الفطر السليمة، لتلبس الحق بالباطل، واختلاط قليل الخير بكثير الشر، ولقد قال المحدث الكبير ابن عيينة عن خلف الحوشب: ((كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن، قال امرؤ القيس :
... ... الحرب أول ما تكون فتية
... ... ... ... ... يسعى بزينتها لكل جهول
... ... حتى إذا اشتعلت، وشب ضرامها
... ... ... ... ... ولت عجوزاً غير ذات حليل
... ... شمطاء ينكر لونها، وتغيرت
... ... ... ... ... مكروهة للشم والتقبيل
... والمراد من التمثل بهذه الأبيات استحضار ما شاهدوه، وسمعوه حال الفتنة، فإنهم يتذكرون بإنشادها ذلك فيصدهم عن الدخول فيها، حتى لا يغتروا بظاهر أمرها أولاً 000)(1)0
همة فى الشر 000
... ومن ظواهر الفتن ثانياً نشاط أصحابها، فتكاد لا ترى لصاحب الهمة الفاترة، أو الضعف المعروف، أثناء أوقات العافية، أو فى مراحل العمل الجاد، تكاد لا ترى له نشاطاً، ولا تعرف عنه جداً، فإذا ما حصلت الفتن، أو كان الخلاف، رأيته وأصحابه ينشطون، وحول الحرص على الدعوة يتحدثون، وفى التخطيط ومعرفة العمل هم يلهجون، ولا غرابة فى ذلك، فإن غريزة الإنسان السبعية، وجهله وهواه يدفعونه بسبب الشهوة الغالبة، إلى المزيد من الحماسة، وإلى الإكثار من النشاط بإغراء الشيطان، ولقد تنبه بعض المفسرين لهذا المعنى، من آية البقرة : ﴿ وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ﴾ (البقرة :205)0
(1) فتح البارى : 13/50 0