... ولكن السعيد من اتخذ العلم طريقاً إلى الآخرة، فزكى به باطنه كما تزكى به ظاهره، فإن من سيماء العلم السكينة والوقار، والحلم والتواضع، والخشية والخشوع، والزهد وحسن الخلق، إضافة إلى حسن النية، وربانية التعليم0
فتنة المنطق 00
... ومن مظاهر غرور العلم وكأحد نتائجه، فتنة المنطق، والإعجاب بحلاوة الحديث، ورقص القلب عند سماع الإعجاب، فينبغى أن يحذر الداعية من السقوط فى العجب على ما فى أحاديث الدعوة من أجر، وليكن من نفسه على حذر 0
... (00 عن أبى عبد الله الحرشى، قال : سمعت بعض العلماء ممن قدم على عمر بن عبد العزيز يقول : الصامت على علم، كالمتكلم على علم، فقال عمر : إنى لأرجو أن يكون المتكلم على علم أفضلهما يوم القيامة حالاً، وذلك لأن منفعته للناس، وهذا صمته لنفسه، فقال : يا أمير المؤمنين، وكيف بفتنة المنطق؟ فبكى عمر بن عبد العزيز بكاءً شديداً 000(1)0
... ولا نقول كما يقول بعض المتزهدة، أو بعض مبتدعة الصوفية، بالامتناع عن الكلام خوف المباهاة، أو ترك الدعوة إلى الله –عز وجل- بحجة خوف الرياء، وإنما الحديث واجب، وإخلاص النية لله واجب آخر، فلا ينبغى ترك أحدهما، والمتحدث بإخلاص أفضل بكثير من الصامت لإخلاص، ويتفرع عن فتنة المنطق، حب المبادرة بالجواب، أو السرعة فيه، حتى يقال عن المتحدث، ما أسرع فهمه، أو ما أغزر علمه، فهى فتنة أخرى قد يوقع الشيطان فيها العالم ليقوده إلى الإعجاب بنفسه، أو السقوط فى الزلل0
... (قال عيسى بن مسكين: قلت لسحنون: تأتيك المسائل مشهورة مفهومة، فتأبى الجواب فيها؟ فقال: سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من شدة المال وقال: كان بعض من مضى يريد أن يتكلم الكلمة، ولو تكلم بها لانتفع بها خلق كثير، فيحسبها ولا يتكلم بها مخافة المباهاة، وكان يتكلم لله ويصمت، فإذا أعجبه الصمت تكلم، وإذا أعجبه الكلام صمت)(2)0
(1) سيرة ومناقب عمر لابن الجوزى : 246 0
(2) رياض النفوس : 1/355 0