... ومن أشد الفتن، فتنة العلم وهى مرتع خصب فى مجال العامة، وعند غيره من العلماء والخطباء أشد وأعتى، فوسائل الدعوة من خطابة وكتابة وتعليم وحوار، يمكن أن تكون عند قلة التقوى، أو غياب الورع من أوسع مداخل الشيطان لأنها تجلب الشهرة، وتلفت الأنظار، وتشيع الرغبات، وقد اعتبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الخيلاء آفة العلم، وحذر من أن يجارى بالعلم العلماء، أو يمارى به السفهاء، وينبغى احتراس الدعاة الشديد من الوقوع فى آفاته، وليتذكر المرء دوماً أن ما أعطى من موهبة إنما هى من الله وحده، وهو القادر على سلبها، وأن كل قول أو فعل لا يقبل –حتى لو كان صائباً- ما لم يكن خالصاً لوجه الله تعالى. ومن المواعظ فى ذلك ما كان من بشر الحافى كان يقول :
... (أنا اشتهى أن أحدث، ولو ذهبت عنى شهوة الحديث لحديث، وقال هو وغيره، إذا اشتهيت أن تحدث فاسكت، فإذا لم تشته فحدث، وهذا لأن التلذذ بجاه الإفادة، ومنصب الإرشاد أعظم لذة من كل تنعم فى الدنيا، فمن أجاب شهوته فيه فهو من أبناء الدنيا، ولذلك قال الثورى: فتنة الحديث أشد من فتنة الأهل والمال والولد، وكيف لا تخاف فتنته وقد قيل لسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً00 ﴾ (الإسراء :74)(1)0
... ومن نتائج فتنة العلم أو قل من مظاهرها أن يكون الكلام أحب من الاستماع، لأن فى الكلام تنميق وزيادة يحتمل على صاحبه الخطأ، وفى العلم حب صاحبه للاحتفاظ به، وكراهية أن يكون مثله عند غيره، والعلم قد يجعل صاحبه بمنزلة السلطان يغضب إذا رد عليه، ويحزن إذا انتقد فى مسألة، من فتن العلم أيضاً أن العالم قد يختص بعلمه بعض الناس دون بعض لغرض أو هوى، كما أنه قد يقود إلى التكلف المذموم، أو الإفتاء بالباطل، إضافة إلى اتخاذه للذكر بين الناس، والاستشهار به، أو ما قد يؤدى بصاحبه إلى الزهو والعجب، وغير ذلك0
(1) إحياء علوم الدين : 1/61 0