... ولعل الفتنة الثانية التى حذر منها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فتنة المال التى تؤدى إلى الزهو والاعتزاز، وبالتالى تقود إلى نسيان المنعم، وما ينبغى له من الحمد والشكر، وكم دلت التجارب على مشاهدة بعض العاملين الدائبين فى سن الشباب، وما تكاد أيديهم تصل إلى المال، أو إلى شىء من الثراء، أو انفتاح باب من أبواب الرزق، حتى يقع ذلك العامل صريعاً للفتنة، وتشاهده يلهث وراء جمع المال، تاركاً الأولى والأهم، وكان تنبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لذلك بأسلوب عملى، وصورة مؤثرة، فلقد مر وأصحابه يوماص بشاة ميتة، فقال لهم: (( أرأيتم هذه هانت على أهلها؟ قالوا: من هوانها ألقوها يا رسول الله، فقال : للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها)) (1)0
... وفى صورة أخرى يرويها أبو سعيد الخدرى، رضى الله عنه قال :
... قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((إن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطاً، أو يلم إلا آكلة الخضرة أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وبالت ثم عادت فأكلت، وإن هذا المال حلوة من أخذه بحقه ووضعه فى حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان الذى يأكل ولا يشبع))(2)0
... والمتأمل فى الواقع أو فى التاريخ –إن كان ذا لب- يشاهد تساوى الناس فى الكفن بعد الموت، وكم ترك الأموال أصحابها، ورحل أهل الغنى عن الدنيا، كما رحل أهل الفقر0
وفى نقصه فتنة 00
... ولهذا تعوذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شر فتنة الغنى، بعد حصوله، وإن كان فى الفقر فتنة أيضاً فينبغى التعوذ منهما جميعاً، وإن كان فتنة الغنى أشد شراً فى زماننا هذا وأغلب، قال الكرمانى فى شرح الحديث الذى يدعو به الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ((اللهم إنى أعوذ بك من شر فتنة الفقر))0
(1) رواه أحمد 0
(2) صحيح البخارى ج8 ، ص113 ، باب الرقائق