... إذ تدل هذه الآية على أحد مظاهر التبرير، وهو ترك الجهاد لطلب السلامة من الفتنة، ومنا علم صاحب التبرير أن ترك الجهاد أو الواجب بحد ذاته فتنة، وسبب نزول الآية قول الجد بن قيس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن له بترك الغزو خوفاً من فتنة نساء بنى الأصفر، وفى الواقع رغم أنه من المنافقين، إلا أن فتنة التبرير قد يقع فيها كل صاحب علم بأسلوبه الخاص، ولو بمراتب متفاوتة، قد توقع فى بعض مظاهر نفاق العمل، مما يستدعى الحذر الشديد لصاحب العلم من أن يؤتى من ثغرة لا ينتبه إليها، ويكون فيها هلاكه، بحيث لا ينتفع من عمله0
... ولا يزال كثير من علماء الأمة الذين جمعوا بين علم الشريعة، وتزكية القلب، فحصلوا على ثمرة العلم، ينبهون على هذا المعنى،ن ومنهم شيخ الإسلام حيث يقول : (( وهذا حال كثير من المتدينين يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهى وجهاد، يكون به الدين كله لله، وتكون كلمة الله هى العليا لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا فى الفتنة التى هى أعظم مما زعموا أنهم فروا منه، إنما الواجب عليهم القيام بالواجب، وترك المحظور، وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لكون نفسوهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعاً، أو تركهما جميعاً، مثل كثير ممن يحب الرئاسة أو المال، وشهوات الغى، فإنه إن فعل ما وجب عليه من أمر ونهىن وجهاد وإمارة، ونحو ذلك فلابد أن يفعل شيئاً من المحظورات00)(1)0
... فانتبه، وحذار، أيها الداعية من أن يستزلك الشيطان بترك العمل بحجة التواضع، أو ترك مسؤولية – إذا وجبت عليك- بحجة الزهد، أو ترك الدعوة بحجة الحذر ، أو ترك الأمر بالمعروف بتبريرات العقلانية، أو ترك الاختلاط مع الناس على أساس عدم وجود النية الكاملة0
فى العلم … فضل ورحمة
(1) المرجع السابق : 28/168 0