... ومن فتن العلم، حمله دون وعى، أو النطق به دون عقل، فصاحبه كمن يحمل مصباحاً أو مشعلاً دون أن يستضىء به، لأن العلم الذى فيه نجاة للعبد، هو ذلك العلم الذى يؤدى إلى خير القلوب فيحيلها إلى الربانية، أو على الأقل النجاة من العذاب، أما إذا أدى إلى ترديده دون وعى، أو بفهم خاطئ فنتيجته الريبة والشك، أو السقوط فى متاهة الزلل، أو الوقوع فى التأويل الفاسد، وكفى بهذا العلم فتنة لصاحبه، ولغيره، ولا تزال القلوب فى استقبال العلم، أوعية مختلفة، فعن على – رضى الله عنه- قوله : ((إن هذه القلوب أو عية فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة؛ فعالم ربانى، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق00 أف لحامل حق لا بصيرة فيه، ينقدح الشك فى قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدرى أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بما لا يدرى حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به 000)(1)0
والتبرير فتنة
... ومن أشد فتن العلم، قدرة المتعلم على التبرير، حيث تعلل المتعالم الذى لم يخالط علمه بشاشة القلب، بترك الكثير من المأمورات، أو إتيان بعض الأعمال المفضولة، ويجد لها من الأسانيد الشىء الكثير، ويحاول تصيد الرخص، أو أقوال الفقهاء الضعيفة، وقد لا يكون هذا التبرير أمام الناس، ولكنه ليقنع نفسه بالأمر، فيوقعه الشيطان فى الزلل، أو يمنعه من بلوغ المراتب العالية وبالتالى يسقط فى حبائل الشيطان من ثغرة العلم، وهو لا يدرى00
... (ولما كان فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والجهاد فى سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة، صار فى الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأن يطلب السلامة من الفتنة، كما قال تعالى فى المنافقين: ﴿ ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا ﴾ (التوبة: 49)(2)0
(1) المرجع السابق : 2/358 0
(2) فتاوى ابن تيمية : 28/166 0