... ومن الفتن التى أساسها العلم الناقص –فى ركب المسافرين- إلحاح البعض بطلب المراتب العالية من الآخرين، وسلوكه وإياهم غير طريق الوعظ الدقيق، والذى غالباً ما يأتى بالنتائج الإيجابية، وإنما بسلوك طريق الأخذ بالشدة، وبالتعنيف والتبكيت، بل ويريد بعض هؤلاء من الآخرين النسج على منوالهم فى الأخذ بالأحوط، وينسى أن الله تعالى خلق الناس مراتب، كما أن مظاهر العبادات تتنوع، والطاعات تتباين، وتدرأ مثل هذه الفتن، باتباع الطريق الصحيح، بل لقد اعتبر الشاطبى أن مثل هذا السلوك الخاطئ يجرى مجرى البدع، فقال : (( قد يكون أصل العلم مشروعاً، ولكنه يصير جارياً مجرى البدعة من باب الذرائع، ولكن على غير الوجه الذى فرغنا من ذكره، وبيانه : أن العمل يكون مندوباً إليه –مثلا- فيعمل به العامل فى خاصة نفسه على وضعه الأول من الندبية، فلو اقتصر العامل على هذا المقدار لم يكن به بأس، ويجرى مجراه إذا دام عليه فى خاصيته غير مظهر له دائماً، بل إذا أظهره لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن والرواتب، والفرائض واللوازم، فهذا صحيح لا إشكال فيه، وأصل ندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإخفاء النوافل والعمل بها فى البيوت 00)(1)0
... ومن هنا يتبين ضرورة أخذ المربى للدعاة بالحسنى، وتكليفهم بما يطيقون، وتشجيع الأفراد كل فى مجال همته ونشاطه، دون أن يمنع ذلك من تصعيد الهمم، وإذكاء النشاط بالوعظ والإرشاد، والمداراة والتشجيع، وأن يأخذ من يشاء بالعزائم فى خاصية نفسه دون إلزام للآخرين بالمراتب العالية0
علم لا يستضاء به
(1) الاعتصام للشاطبى : 1/344 0