... فى طريق المسافرين فى قطار الدعوة جسر، لابد من تجاوزه ، وعبوره، إذ إن هذا شأن السالكين إلى الله تعالى، فى كل زمان ومكان، بل وإنه من شأن الأنبياء والمرسلين، ذلكم الجسر هو الابتلاء والمحن، التى تصيب الداعية فى دينه ودنياه، حتى يخرج من الدنيا، وقد صقله الابتلاء، وأظهرت معدنه المحنة، وليس التشبيه للمحنة بالجسر على الطريق، بالشىء الجديد، فلنستمع إلى ابن القيم، رحمه الله –وهو يقول : ((وإن تأملت حكمته سبحانه وتعالى فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجل الغايات، وأكمل النهايات التى لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسر لكماله، كالجسر الذى لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج فى حقهم، والكرامة، فصورته صورة ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله من نعمة جسيمة، ومنة عظيمة، تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان 000)(1)0
سنة الله خالدة
... إن من سنة الله فى الكون، أن المنافع لا تجنى إلا بشىء من المتاعب، حتى يتفاضل البشر فى الكسب، وتكون النتائج حسب مقدار الأعمال، فيبذل الخلق الجهد حيث تتحقق عمارة الأرض، وهو الهدف الذى أراده الله تعالى للخلائق، بل جعل العمل أحد مظاهر العبادة، يتخذ عند أهل التكليف صوراً، كما يتخذ مظهر التسبيح والإلهام عند بقية المخلوقات، ولذلك يشاهد وفق هذه القاعدة الكونية، أن الطعام والشراب، والصيد والسكن لا يتحقق لبنى آدم إلا بالجهد والنصب، وفى الوقت نفسه فهى مسخرة له، وليس تناولها بالأمر المستحيل، وكذلك الوصول للآخرة؛ لا يتم إلا بنصب العمل لها، ومشقة السعى لأجلها، وأوضح الله تعالى لنا مظهراً آخر فالجنة لا يعبر إليها إلا بتجاوز الصراط0
(1) مفتاح دار السعادة : 1/299 0