... ودبيب الشيب جرس دائم، ومن تجاوز الأربعين خطه المشيب، ولا يغرنه ما يغرر به نفسه من صبغ وتجميل، فما يحسبه زيادة عمر ما هو إلا نقصان، وقد تعالى، ﴿ أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ﴾ (فاطر:37)0
... واختلف فى المراد من التعمير فقيل: أربعون سنة، وقيل ستون سنة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة ))(1)0 ...
... وكلاهما حق، فالأربعون بداية التنبيه، وكلما بلغ الزيادة فى العمر، زادت شدة التنبيه حتى تبلغ ذروتها فى الستين، إذ هو معدل الإنسان، وما يدرى فقد يسقط فى أية لحظة، وينهار تحت أى مرض، فيسأل عن عمره فيما أفناه!!، وكيف ضيع الأوقات، وأهمل الأيام، وإن خدع الإنسان نفسه أو غيره بالسواد أو الخضاب، فهيهات هيهات أن تغيب الآجال عن بارئها0
الربح الأخير
... وهكذا تعمل الأجراس فى القلب اليقظ الحساس، فتختلف عنده الموازين، وتتغير عنده المقاييس، فيبادر إلى لذات العمل الجاد، ويترك اللذائذ الزائفة، وينظر إلى السعادة واللذة بمقاييسها الشرعية، فهذا هو صهيب –رضى الله عنه- يترك ماله ويعتبر ذلك ربحاً، فيقول له المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : ((ربح البيع يا أبا يحي، ربح الربح يا أبا يحي))0
... وهذا هو الإمام على كرم الله وجهه، يحدد أحب الأشياء إليه : إنها : ((الضرب بالسيف، والصوم بالصيف، وإكرام الضيف))0 وسيف الله المسلول لا يرى سعادته فى أمر من أمور الدنيا، بل يقول عن نفسه: ((ولأنى فى كتيبة من المهاجرين والأنصار، فى ليلة شديدة البرد، أترقب منها الهجوم على العدو أحب من أن تزف إلى عروس))0
(1) المرجع السابق : 11/239 0