... وقد ذكر أحدهم لأبى بكر الصديق أنه سيقول فيه قولاً يدخل معه قبره فقال له –رضى الله عنه- : يدخل –والله- قبرك لا قبرى، وكان عمر بن الخطاب –رضى الله عنه : رحم الله امرأ أهدى إلينا عيوبنا0
... والبصر بالعيوب قد يكون من التفكر والتذكر، وكلاهما من منازل السائرين إلى الله، فيكون المؤمن بعدها منتفعاً حيث ينقدح فى نفسه قادح الخوف والرجاء، فيتحرك ويعمل طالباً الخلاص من الخوف، وراجياً رحمة ربه، ثم يزداد بفضل الله بصيرة بقوة الاستحضار0
البرق السادس : المرايا العاكسة
... إن العاقل الذى يبصر عيوب الآخرين، لابد وأن ينعكس ذلك فى أن ينظر لنفسه، فيكره ما يكرهه فى الآخرين، ويبغض لنفسه التلبس بما يعيب الباقين، وهكذا، يستفيد من الخلطة فيجتنب ما يراه مذموماً، وكما ينظر إلى من هو دونه فى المال فيحمد الله على الرزق، فعلى المرء النظر إلى من هو دونه فى الخلق ليحمد الله على العافية، من مساوئ الغير، ولعل ذلك من معانى قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه فى المال والخلق، فلينظر من هو أسفل منه ممن فضل عليه)(1)0
... وكذلك على المرء أيضاً فى المسائل الدينية والأخلاق أن ينظر إلى من هو فوقه أيضاً للاقتداء به، فيحصل له الخير فى النظر إلى الأعلى والأدنى0
... (هذا الحديث جامع لمعانى الخير، لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهداً فيها إلا وجد من هو فوقه، فمتى طابت نفسه اللحاق به استقصر حاله فيكون أبداً فى زيادة تقربه من ربه، ولا يكون على حال خسيسة من الدين إلا وجد من أهلها من هو أخس حالاً منه، فإذا تفكر فى ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك من غير أمر أوجبه فيلزم نفسه الشكر، فيعظم اغتباطه بذلك فى معاده 00)(2)0
(1) حديث متفق عليه 0
(2) فتح البارى : 11/323 0