والحق أن ((الأمة جمعاء مكلفة أن تكون شجاعة في حماية الدين ، ورد العادين على حدوده من المجَّان والفجار)) مع الله (ص:210) وهذا هو وصف الصفوة المختارة لحمل الرسالة في كل عصر يتلفت فيه الناس من المسئولية ، ويتخلون عن التبعية (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم( المائدة [54] ، وعلى هذا بايع النفر الأوائل من الأنصار في بيعة العقبة كما قال عبادة بن الصامت : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ( أخرجه البخاري في كتاب الفتن ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أموراً تنكرونها (الفتح)(13/7) ، ولهذا أيضاً كان ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم ، باب الأمر والنهي (4244)(4/514) وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن ، باب ما جاء في أفضل الجهاد(شاكر)(4/471) .
وليست الجرأة تهوراً كما أن الحكمة ليست جنباً ، والمزج بينهما هو المطلوب الذي ينبغي اتصاف الداعية به في معاملته للآخرين وفي المواقف العصيبة ، وعدم وجود الجرأة والشجاعة يستلزم وجود ضدهما وهو الجبن والذلَّة اللذان لا يليقان بالداعية بحال لأنه ((إذا لم يكن الداعية المسلم شجاعاً مطيقاً لأعباء الرسالة ، سريعاً إلى تلبية ندائها ، جريئاً على المبطلين ، مغواراً في ساحاتهم فخير له أن ينسحب من هذا المجال وألاَّ يفضح الإسلام بتكلف ما لا يحسن من شئونه)) مع الله (ص:211) .
والجرأة تنبعث من اجتماع خلقين عظيمتين :-