إنها جدٌّ لا يجتمع معه كسل كما أبى ذلك الداعية الحر عطاء بن أبي رباح حين قال : ((لأن أرى في بيتي شيطاناً خير من أن أرى فيه وسادة لأنها تدعو إلى النوم)) البداية والنهاية (9/308) .
إنها سفر نحو آفاق أرقى وأعلى ، وعمل وبذل طموحه أفضل وأسمى ، فالدعاة الحقيقيون ((مذ تيقظوا ما نالوا ، ومذ سلكوا ما وقفوا ، فهمُّهم صعود وترقٍّ ، كلما عبروا مقاماً إلى مقام رأو نقص ما هم فيه فاستغفروا)) صيد الخاطر (ص:355) ، وذلك لعلمهم أن ((الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه وتعالى ليست مما يقطع بالأقدام ، وإنما يقطع بالقلوب)) صيد الخاطر (ص:355) .
إنها نفوس خالصها شعور بالمسئولية وجسامتها ، والمهمة وضخامتها ، فأبت على الأجساد أن تخلد إلى راحة ، وإلى النفوس أن تسكن إلى لهو ، ولله در ابن الخطاب عندما جاءه معاوية بن خديج مبعوثاً من عمرو بن العاص بخبر فتح الإسكندرية فقدم المدينة في الظهيرة ومكث في المسجد فرأته جارية لعمر ، ثم جاءته فقالت : أجب أمير المؤمنين ، فلما دخل وأكل قال له عمر : ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد ، قال : قلت : إن أمير المؤمنين قائل ، قال عمر : بئس ما قلت أو بئس ما ظننت لئن نمت النهار لأضيعن الرعية ، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية (الزهد لابن حنبل (ص:152) . تلك رعية عمر ما تركت له ليلاً ولا نهاراً ((والداعية مسئول عن رعيته ، فإذا غاب عنها فقد تخلى عن واجبه وعرض أمته لعبث المبطلين وغواية الشياطين)) تذكرة الدعاة(ص:210) .
لذا على الداعية أن يحمل الدعوة ((بهمة عالية وعزم قوي لا يثنيه عنه كثرة خصومه مهما تكالبت عليه قوى الشر إذ لا يعتبرها في جنب الله إلا كالفراش)) صفوة الآثار والمفاهيم (1/72) .
الثاني : التصدي والمواجهة :