تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن لو رجعنا إلى تاريخ هذه الأرض التي نحل فيه, كم من الصحابة الذين فتحوا هذه الأرض قد أكلتهم الوحوش?! أكلتهم السباع في هذه الغابات الكثيفة الممتدة حول كابل إلى هذه الأرض?! كم منهم قد مات تحت ركام الثلوج? لا ... لا تقارنوا بين متاعبكم ومتاعب الصحابة, أولئك الذين جاءوا بلا غطاء ينتقلون من جزيرة العرب الحارة إلى ثلوج الهندوكوش بلا أدلاء على الطريق وبلا شوارع وبلا ناقلات, إنما هي دابته التي قد تموت لشدة التعب ولمزيد اللأواء.

لا نريد أن نقارن بيننا وبين الذين فتحوا هذه الأرض وأبقوها لنا مسلمة بإذن الله إلى هذه الأيام.

نريد أن نقارن بيننا وبين الذين حولنا من المهاجرين الأفغان, ماذا تعاني من معاناتهم? وماذا تقاسي من مقاساتهم? وماذا تجد من التعب إزاء تعبهم? كم من الأطفال يموتون في حر الصيف لشدة القيظ?! كم من الخيام هذه التي حولك تدخلها لا تجد رجلا يقوم على أمرهم أو يتولي شؤونهم? خيمة ليس فيها إلا التراب, لا طعام ولا كساء ولا غطاء, ولا تصدق أن هذه يسكنها أحياء, فيها مجموعة من الأيتام والأرامل والمعوقين والمشوهين, غاب الصاحب, غاب رب البيت, سجن الشقيق الأكبر, قتل الوالد غابت الأم تحت الركام, هذه بنت مشوهة وهذا ولد محروق وجهه بالنابالم, وهذا أعمى لأن الرصاصة قد أخذت عينيه وهذا مصاب بالعمود الفقري مشلول النصف لأنه قد أصيب بشظية في عموده الفقري.

أنتم لم تعانوا, بل لا يجوز أن نقيس معاناتنا أبدا بمعاناتهم, نحن في سياحة نحن في رحلة مريحة, إذا ما قسنا أنفسنا بهؤلاء.

أدخل إليهم أسمع مآسيهم, ألق السمع لتسمع ما تشيب منه نواصي الولدان, مآسي تشيب منها النواصي, كل واحد منهم يخفي وراء طيات وجهه الذي تجعد قبل أوانه ويخفي من خلال زفراته مكنونا من المآسي والآلام, ولكنه يغطي هذا كله عندما يراك كعربي زرته بابتسامة عريضة تشعر أنه يملك الدنيا بأسرها.

مقدمة في الهجرة والإعداد · الصفحة ١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مقدمة في الهجرة والإعدادص ١٢١