تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوطن الذي فيه مسقط رأسك, والذي عليه حبوت وبربوعه درجت, صعب عليك أن تفارقه, ولكن لا بد أن تفارقه إذا كان هنالك شيء أغلى من الأوطان, وأغلى من الأولاد والخلان, وأثمن من الأهل والجيران, العقيدة, المباديء التي من أجلها لا تترك الأوطان فحسب بل تقدم الأرواح رخيصة, لأن الجهاد ما شرع إلا من أجل أن تحفظ العقيدة ومن أجل أن تحمى الحوزة, ومن أجل أن يصان دين الله عز وجل.

فالوطن, والأهل, والأولاد, الحياة بينهم ممتعة ومؤنسة, الحياة بينهم مريحة, ولكن لا تنتصر مبادىء إلا بالجهد والضنى, لا تنتصر العقائد إلا بالتضحية والبلاء, لا تنتصر القيم ولا ترتفع الشرائع ولا يقر لله دين ولا ينصر لله شريعة بدون دماء وبدون مفارقة الأحباء, وبدون الأشلاء واللأواء, وبدون الشهداء.

نعم الوطن عزيز والرسول ص; وهو يغادر مكة ومن الحزوراء ينظر إلى بيت الله الحرام مودعا ملقيا نظراته الأخيرة على البيت, على الحرم, وكم هو عزيز إلى قلب رسول الله ص أن يفارق الحرم, أن يفارق البيت العتيق: والله إنك لأحب أرض الله إلى الله, وأحب أرض الله إلي, ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت (2) [حديث صحيح رواه الترمذي وأحمد بلفظ (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي ولولا أخرجت منك ما خرجت) أنظر صحيح الجامع الصغير رقم 7089].

كان عظيما على النفوس: أن تغادر أرض مكة, كان صعبا على القلوب أن تفارق البلد الحرام, كان عظيما على الأفئدة أن تغادر أم القرى, ولكن إذا تجهمت أم القرى للدعاة, وإذا تجمدت الدعوة في مكة, وإذا كثر أعداء الله عز وجل الذين يمنعون بزوغ زهرة من الخير حول زمزم والحرم فليترك الحرم, ولتترك مكة, وليترك البيت العتيق, لأن العقيدة نحن عشنا وخلقنا من أجل أن نحققها في الحياة.

(وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين).

(الذاريات: 7585)

مقدمة في الهجرة والإعداد · الصفحة ١١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مقدمة في الهجرة والإعدادص ١١٨