تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والهجرة مشقة لأسباب كثيرة, مشقة لأنها ترك الأهل والأولاد, وترك الزوجة والأم والأب, ترك الأوطان التي عليها حبوت, وترك الأرض التي بها سقطت, وترك الخلان والجيران, وترك الأصدقاء, بل ترك الدنيا بأسرها, تقطيع كل الوثائق وكل الحبال الواثقة التي تربطك بالدنيا, ومغادرة الأوطان لها وحشة على القلوب, ومفارقة الأهل والخلان لها ثقل على النفوس, وقد قال الله عز وجل:

(ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما).

(النساء: 66)

فقد قرن رب العزة بين قتل النفس وبين ترك الأوطان فترك الأوطان صعب على النفوس, لها في القلوب ذكريات حبها يجري في العروق, لقد اعتادت أذنه أن تسمع تلك اللهجة -لهجة قومه- لقد اعتادت عينه أن ترى تلك المناظر التي ألفتها, وصعب على النفوس أن تخالف المألوف ولو كان إلى القصور.

وميسول الكلبية التي تزوجها معاوية رضي الله عنه ووضعها في قصره في الشام وكانت من بني كلب تعيش في الخيام, ذات يوم تجلس قرب شرفة قصرها, وتطل وتعمل الذكريات وتعتلج المشاعر, وتشتبك الأشواق فتقول أبياتها:

لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف

وكلب ينبح الطر اق دوني ... أحب إلي من قط أليف

ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف

وعندما سمع معاوية رضي الله عنه بهذه الأبيات طلقها وألحقها بأهلها.

إنها لا تحب القصور التي أبدلت مكان الخيام, لأن النفوس تعشق ما تألف, وتألف ماتعتاد, وتحب أن لا تقلع عما اعتادت عليه بين أهلها وبين ذويها.

ولي وطن آليت أن لا أبيعه ... يوما وإن كنت للدهر مالكا

مقدمة في الهجرة والإعداد · الصفحة ١١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مقدمة في الهجرة والإعدادص ١١٧