ومن هنا لما أباح الله الطيبات، قيد الاستمتاع بها بقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:31]، وفي هذا جاءت أحاديث توجه وتنبه إلى رعاية الاعتدال في المأكل والمشرب والملبس وغيرها. مثل قوله عليه الصلاة والسلام: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلا، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (1).
وقال: "المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" (2).
وفي استهلاك الماء، مر عليه الصلاة والسلام برجل يتوضا فقال: "لا تسرف، لا تسرف" (3).
كما مر بسعد بن أبي وقاص، وهو يتوضأ، فنهاه عن الإسراف، فقال: أو في الماء سرف، يا رسول الله؟ قال: "نعم، وإن كنت على نهر جار" (4).
والعالم كله اليوم يحذر أشد التحذير من خطر المبالغة في استهلاك الماء، لقلة المياه العذبة في العالم، حتى قالوا: إن الحروب القادمة ستكون من أجل المياه.
والناس يتساهلون في استهلاك المياه، ويدعون الصنابير (الحنفيات) مفتوحة، بغير حساب.
ومن الناس من يغلون في ملابسهم وأدوات زينتهم، ولا سيما النساء - فيشترون أضعاف ما يحتاجون إليه - وهو ما أنكره عمر على بعض الصحابة حين قال: أكلما اشتهيتم اشتريتم؟!
وفي الحديث النبوي: "كل واشرب والبس، في غير إسراف ولا مخيلة" (5). فوضع الحديث هنا على الإنفاق في الأكل والشرب واللبس قيدين: قيدا ماديًّا، وهو الإسراف،
(1) - رواه أحمد في المسند (17186)، وقال مخرجوه: رجاله ثقات غير أن يحيى بن جابر الطائي تكلموا في سماعه من المقدام، فإن صح سماعه منه فالحديث صحيح، وإلا فمنقطع، والترمذي في الزهد (2380)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى كتاب الوليمة (6738)، وابن ماجه في الأطعمة (3349)،
(2) - متفق عليه: رواه البخاري في الأطعمة (5393)، ومسلم في الأشربة (2060)، كما رواه أحمد في المسند (4718)، والترمذي في الأطعمة (1818)، والنسائي في الكبرى كتاب الوليمة (6740)، وابن ماجه في الأطعمة (3257)، عن ابن عمر.
(3) - رواه ابن ماجه في الطهارة (424)، عن ابن عمر، وقال الألباني في ضعيف ابن ماجه: موضوع (95).
(4) - رواه أحمد في المسند (7065)، وقال مخرجوه: إسناده ضعيف، وابن ماجه في الطهارة (425)، والبيهقي في الشعب باب الطهارات (3/ 30)، عن ابن عمر، وضعفه الأباني في ضعيف ابن ماجه (96).
(5) - سبق تخريجه بلفظ: "كلوا واشربوا وتصدقوا".