إن الثورة الإصلاحية الموفقة بإذن الله، والتي هيأ الله ظروفها وعواملها لإنقاذ هذا البلد، لا ترضى أن تحتمل في التاريخ، ولا في الشعوب الإسلامية، الإعراض عن الأزهر إلى هذا الحد، ومعاذ الله أن أكون من المتشائمين، وإني لأعتقد أن رجال الثورة يرون أن في العناية بالأزهر الوقاية من الأفكار النادة الهدامة، والوقاية من الأخلاق المقوضة للجماعات.
ومن هنا أرى أن الثورة لابد أن تعالج الأزهر؟ بما يحقق لها أهدافها النبيلة - لا في مصر وحدها - بل في العالم الإسلامي كله، التي كانت منه مصر بفضل الأزهر في مكان الصدارة والقيادة والتوجيه.
إن مهمة الأزهر، لم تكن تخريج مدرسين ومعلمين فقط، وإنما تنتظم في أول ما تنتظم أمرين، هما أهم ما يجب أن يناط بالأزهر، بل هما أساس رسالته، والعنصر الأول الذي يحقق وجوده ومعناه.
أولهما: تخريج علماء مبرزين أرباب بحث واجتهاد سليم، وابتكار مفيد، ونقد سليم في جميع نواحي الفكر الإسلامي، ومن هؤلاء نرى الأئمة، والمصادر التشريعية والأخلاقية الكبرى، الذين يرجع إليهم في معرفة ما هو من الإسلام، وما ليس من الإسلام.
وقد وضع قديمًا في قانون الأزهر - لهذه المهمة - ما عرف باسم «تخصص المادة» لكن أتى عليه هو الآخر في تلك الفترة الماضية ما يأتي على كل حي، فطويت صفحته، ونساه الأزهر والناس.
وثاني المهتمين: تخريج دعاة ومرشدين، أقوياء في العلم والإدراك والتدين، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن الدعوة إلى الله: تقرير الحق، والتضحية في سبيله رائدهم، وتهذيب النفوس وتقويمها هدفهم، وإصلاح البشرية وتوجيهها إلى ما يسعدها أقصى ما يبتغون.
ومن هنا يتضح لنا أن الأزهري، ليس فقط أستاذ فصل أو فرقة، وإنما هو قبل ذلك أستاذ علم وبحث، وأستاذ دعوة وإرشاد، وبذلك كانت مدرسته الشعب كله، والعالم الإسلامي كله، وكان طلابه المسلمين في جميع بقاع الأرض بكل طبقاتهم، وبكل لغاتهم وأجناسهم وأقطارهم.
هذا هو الأساس الذي يجب أن يشاد عليه صرح الأزهر.
* * *
قد شع من الشرق على العالم كله نور أحيا القلب الإنساني وأرشد الحائر، وهدى الضال، وقد تجمعت منابعه في مصر، وأصبحت مصر بفضل الأزهر الذي تلقى تراث الفكر الإسلامي مسئولة عن إعادة هذا النور إلى الشرق كله بل إلى العالم أجمع، وقد تضاعفت مسؤوليتها حين هيأ الله لها عوامل الإنقاذ بثورتها.