وعاد الشيخ المراغي إلى مشيخة الأزهر للمرة الثانية ومكث نحو عشر سنوات والحال هو الحال، فتقدم عضو من جماعة كبار العلماء، يحس من الأزهر إحساس الشيخ عليه الرحمة والرضوان، بمقترحات في الإنتاج العلمي، بما يحقق للأزهر رسالته، ثم قدمها بعد ذلك مرات متعددة لمن تولى - بعد فضيلة الشيخ مشيخة الأزهر كما ألقى صاحب المقترحات على الأزهريين أساتذة وطلابًا محاضرة بعنوان «السياسة التوجيهية العلمية في الأزهر»، ثم تحدث فيها عن التركة المثقلة، التي خلفتها العصور المظلمة، واحتملها الأزهر حتى أثقلت كاهله، وها هي ذي لا تزال مطبوعة.
حصل كل هذا، ولكن الأزهر، كما قلنا - ليس إلا ناحية من نواحي الحياة المصرية العامة، التي أصيبت في تلك الفترة كلها بالركود، نتيجة لفساد الحكم، والفتن الحزبية من الداخل، وللضغط الأجنبي من الخارج، ومن هنا ظل الأزهر كسائر المرافق الحيوية، قابعًا في مكانه من حي الدراسة يجاور المقابر، يحضر طلابه متى شاءوا، وينصرفون متى شاءوا ويدرسون من المقررات ما شاءوا، ويتركون منها ما شاءوا.
وقد عرف فضيلة الشيخ المراغي في حياته هذه الحالة، وكتب بها منشورًا جاء فيه: وهناك أمثلة ظاهرة العوار في قراءة المقررات تعلمونها كما أعلم، وتشعرون بأنها أمثلة سيئة، لا يجوز أن تبقى ماثلة.
وعلى الرغم من هذا كله، ظل الأزهر قائمًا على ركوده في البحث والنظر، وعلى خطة الحرية المنحرفة، التي فرضها الطلاب لأنفسهم في الحضور والانصراف، ومقدار ما يدرسون، حتى في عهدنا الحاضر، عهد الإنقاذ، وعامنا الحاضر، عام السكون والدرس في جامعاتنا المصرية، فإنه بينما تفرغ الجامعات من دراسة الفترة الأولى وتؤدي امتحانها في نصف موادها، ثم تشرع في دراسة الفترة الثانية، وتستعد للامتحان بالدرس والتحصيل في آخر العام الدراسي - نرى الأزهر الآن ومن نصف شهر مضى تقريبًا تخلو حلقاته، وحجر دراسته من الطلاب ولم يمض عليهم أكثر من ثلاثة أشهر، وينصرفون إلى بلادهم باسم الاستعداد للامتحان السنوي، وباسم الاستعداد لصوم رمضان!!
ولا أخفي على حضراتكم، أنه حينما أشرقت على بلادنا شمس الثورة المباركة، انقدح في ذهني أن هذا العهد، هو عهد الخطوة الجريئة التي جاءت في المذكرة المراغية لإصلاح الأزهر، ولا أخفي عليكم مرة أخرى، أنه قد حز في نفسي أن أرى أن يد الإصلاح والإنقاذ في هذا العهد تمتد إلى جميع نواحي الحياة - وخاصة النواحي العلمية الجامعية والمدرسية - دون أن أراها تمتد ولو قليلًا إلى الأزهر بأكثر من بضع قرارات، لا أعرف مدى اتصالها بالإصلاح الذي عقدنا الآمال عليه من أول عهود الثورة.