و إله من فيها، و مثاله كقولنا: ((هو بخُراسان أمير و بمصر أمير، فالإمارة تجتمع له فيهما و هو حال بأحديهما أو بغيرهما)) (1).
و الوجه الثالث هو التدبّر في القرآن الكريم، و الاستنباط منه ما يُرد به على مقالات المتكلمين، فعندما أنكر الجهمية علو الله تعالى و استوائه على عرشه، رد زعمهم أبو سعيد عثمان الدارمي بقوله تعالى عن فرعون: ((يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى، و إني لأظنه كاذبا)) –سورة غافر/ 36 - 37 - ،و استنتج منه أن موسى عليه السلام كان يقول لفرعون: إن الله تعالى في السماء، و إلا ما أمر فرعون ببناء الصرح (2).
و احتج عليهم أيضا بقوله تعالى: ((و ما كان لبشر أن يُكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، إنه علي حكيم)) -سورة الشورى/ 51 - ،و استنبط منه أن فيه إشارة إلى أن الله عز و جل بائن عن خلقه، فلو كان بذاته مع مخلوقاته في كل مكان، ما ((كان للحجب معنى، لأن الذي هو في كل مكان لا يٌحجب بشيء من شيء)) (3).
و عندما أظهر المعتزلة القول بخلق القرآن ضللهم أهل الحديث (4)،و أبطل زعمهم احمد بن حنبل، و قال إنه يُؤدي إلى القول بأن علم الله مخلوق، و هذا زعم باطل، لأن القرآن هو من علم الله و أمره؛ بدليل قوله تعالى: ((فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم)) -سورة آل عمران/61 - ،و قوله ((لئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم، مالك من الله من ولي و لا نصير)) -سورة البقرة/120 - ،و ((ألا له الخلق و الأمر)) -سورة الأعراف/54 - (5). فهذا استنباط صحيح، فبما أن القرآن من علم الله و أمره، فإن القول بخلقه يعني أن علمه تعالى مسبوق بجهل، و هذا نقص و محال على الله تعالى، و هو القائل: ((و كان الله عليما حكيما)) –سورة النساء/170 - ،و ((كان الله سميعا عليما)) -سورة النساء/ 148 - ،و ((عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال)) -سورة الرعد /9 - .
و يُروى أن الفقيه محمد بن سُحنون المالكي (ت 265ه) ناظر معتزليا في مسألة خلق القرآن، فقال له: المخلوق يذل لخالقه أم لا؟ فسكت المعتزلي، فقال له ابن سحنون: إن قلت بالذلة على القرآن فقد خالفت قوله تعالى: ((و إنه لكتاب عزيز)) –سورة فصلت/41 - (6). و رده هذا رد مُفحم ينطوي على فهم ثاقب و استنباط صحيح من الآية الكريمة، جعل المعتزلي يتوقف و لا يُجيب،
(1) تأويل مختلف الحديث، ص: 252 و ما بعدها.
(2) الدارمي: المصدر السابق، ص: 45.
(3) نفس المصدر، ص: 73.
(4) انظر: عبد الله بن أحمد: السنة، ص: 10.
(5) نفسه، ص: 9 - 10.
(6) جمال بادي: الآثار، ج1 ص: 287.