تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأنه لو قال: نعم المخلوق يذل لخالقه، يكون زعمه بأن القرآن مخلوق، أن تلحق الذلة القرآن الكريم، و هذا باطل مخالف لصريح الآية التي ذكرها ابن سحنون. و إن قال: لا يذل المخلوق لخالقه، يكون قد خالف النقل و العقل في أن المخلوق يذل لخالقه؛ لذا لم يُجب و وجد في السكوت مخرجا للتهرّب عن الإجابة، و لم يلتزم بما يقتضيه منه الشرع و العقل و مذهبه الاعتزالي، من أن المخلوق يذل لخالقه؛ و بما أن القرآن الكريم لا يذل فهو إذ، ليس بمخلوق.

و عندما أنكرت طائفة من المتكلمين القدر، و نفت سبق علم الله تعالى قبل خلقه لمخلوقاته، احتج عليهم الإمام أحمد بآيات قرآنية كثيرة، منها قوله تعالى: ((و إذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب و حكمة، ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم، لتؤمنن به و لتنصرنّه)) –سورة البقرة/81 - ، و ((إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و إبراهيم و موسى و عيسى بن مريم، و أخذنا منهم ميثاقا غليظا)) –سورة الأحزاب/7 - ،و ((إنا كل شيء خلقناه بقدر)) -سورة القمر/49 - (1). ففي الآيتين الأولى و الثانية إخبار من الله تعالى أنه أخذ الميثاق من النبيين قبل خلقهم؛ و في الثانية أخبرنا أنه قدّر مقادير كل المخلوقات قبل أن يخلقها. و عندما قيل لأحمد بن حنبل: إن قوما من القدرية يحتجون بقوله تعالى: ((ما أصابك من حسنة فمن الله، و ما أصابك من سيئة فمن نفسك)) -سورة النساء/79 - ، قال: نعم ذلك صحيح، لكن الكل بقضاء الله تعالى (2).

فهو –أي أجمد- قد ربط الآية بغيرها من آيات القدر، و وضعها في مكانها الصحيح الذي تجاهله هؤلاء القدرية، لأن الله تعالى يقول: ((قُل لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا)) -سورة التوبة/51 - ،و ((ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير)) -سورة الحديد /22 - .

و أما الوجه الرابع في اعتماد المحدثين على القرآن -في ردهم على المتكلمين- فهو إظهار سوء فهمهم للقرآن و احتجاجهم بمتشابه آياته، فمن ذلك أن الجهمية في قوله تعالى: ((كلما نَضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، ليذوقوا العذاب)) سورة النساء/56 - ، قالت: ((فما بال جلودهم التي عصت قد احترقت و أبدلهم جلودا غيرها، فلا نرى إلا أن الله عزّ و جل يُعذب جلودا بلا ذنب، حين يقول: جلودا غيرها)). فرد عليهم الإمام احمد بن حنبل، و نسبهم إلى الشك في القرآن و الزعم بأنه متناقض، ثم بيّن أن معنى بدلّناهم جلودا غيرها، لا ((يعني جلودا أخرى غير جلودهم، و إنما يعني بتبديلها تجديدها، لأن جلودهم إذا نضُجت جددها الله)) (3). و واصح من قول هؤلاء الجهمية أنهم فهموا الآيات في غير إطارها الشرعي العام، و بمعزل عن الآيات القرآنية الأخرى، لذا فهم أساؤوا الفهم

(1) الخلال: السنة، ج1ص: 532، 547.

(2) نفس المصدر، ج1 ص: 545.

(3) احمد بن حنبل: الرد على الزنادقة و الجهمية، ص: 7.و ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: 96.

منهج أهل الحديث في الرد على المتكلمين · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهج أهل الحديث في الرد على المتكلمينص ١٠