تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله خالقهم وخالق مشيئتهم, وهم لا يشاءون إلا أن يشاء الله.

- وخلق أفعال العباد ومشيئتهم لا يعني إلغاء هذه المشيئة بل هي موجودة مخلوقة ولكن مشيئة الله فوق ذلك, ومشيئته سبحانه تنفذ فيهم من خلال ما يفعلون بأنفسهم ومشيئتهم.

- ومشيئة العباد لها أثر في أفعالهم, بها تقع تلك الأفعال وهذا هو الكسب: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: من الآية286].

وليس الكسب اقتران الإرادة البشرية بالفعل من غير أثر كما يقول الأشاعرة (1).

(1) ويمكن أن نمثل لأثر إرادة الإنسان وقدرته في فعله عند أهل السنة بمثال الأب والولد، فالأب والأم سبب لوجود الولد ولهما أثر في إيجاده وليسا خالقين له بل الله خالق الثلاثة، ولكنه خلق الولد من أبويه، فكذلك القدرة الإنسانية والإرداة الإنسانية سبب لوجود الفعل، وليستا بخالقتين له، بل الله خالق الثلاثة ولا يمكن لعاقل أن يُنكر أثر القدرة والإرادة في وجود الفعل، كما لا ينكر أثر الوالدين في وجود الولد.

وأما عند الأشاعرة:

فهم يجعلون القدرة والإرداة الإنسانية مع الفعل كالأخ مع أخيه، اقترن وجودهما من غير أن يكون أحدهما سبباً في وجود الآخر.

وأما المعتزلة فهم يقولون:

إن الإنسان يخلق فعله ومشيئته دون إرادة من الله ولا قدرة له –سبحانه عما يقولون- على أفعال العباد الاختيارية، ومثلوا لذلك بمثال المدرس الذي يعرف مستوى تلامذته وعقد لهم امتحاناً وكتب قبل الامتحان الدرجات التي يتوقع أن يحصلوا عليها، ثم لما امتحنهم كانت درجاتهم موافقة لما كتبه قبل ذلك، وهو مثال باطل ينفي تعلق القدرة الإلهية بأفعال العباد، فالمدرس لا قدرة له على عقول التلاميذ، ولا على توجيه إجاباتهم، وكذلك فهو ينفي الإرداة الكونية لله سبحانه في وجود الخير والشر، فالمدرس لا يريد إلا أن يُجيب الجميع الإجابة الصحيحة الكاملة، ولا يريد أن يجيب الجميع الإجابة الصحيحة الكاملة، ولا يريد لبعضهم التوفيق ولبعضهم الخذلان، والله سبحانه هو الذي أراد أن يوجد الخير والشر، والطاعة والمعصية لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد في الأولى= =والآخرة، وهو سبحانه الذي أقدر العباد وجعلهم يشاءون وخلق قدرتهم وأفعالهم ومشيئتهم، وهو يُعذب من يعذب منهم وهو غير ظالم لهم، لأنه أعطاهم القدرة والإرداة وأرس الرسل وأنزل عليهم كتبه، وأقام عليهم الحجة بالشرع، وهم كانوا سبباً في وجود أعمالهم، فلو أن الأب والام ألقوا بابنهم الرضيع في الطريق وقالوا: من خلقه فهو يرزقه، لكانوا -بإجماع العقلاء- مقصرين في عدم تحملهم المسئولية عمن كانوا سبباً في وجوده، مع اليقين بأنهم فعلاً لم يخلقوه ولا يرزقونه، ولكنهم مع ذلك مسئولون عنه، فكذلك الإنسان مسئول عن عمله، وإن كان لم يكن خلقه.

منة الرحمن في نصيحة الأخوان · الصفحة ٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منة الرحمن في نصيحة الأخوانص ٣٧