إن السعيد من اتعظ بغيره، فقد ذكر الشيخ أحمد شاكر قصة وما زمنها عنا ببعيد، وإنما يعتبر ويتعظ أولو الأبصار.
ذكر الشيخ أحمد شاكر رحمه الله أنه في عهد الملك فؤاد كان طه حسين طالباً في الجامعة المصرية، وتقرر إرساله في بعثة إلى أوربا، فأراد السلطان حسين أن يكرمه فاستقبله في قصره وأعطاه هدية قيمة، وكان السلطان حسين مواظباً على صلاة الجمعة، فصلى الجمعة يوماً ما بمسجد المدبولي بالقرب من عابدين، وندبت وزارة الأوقاف أحد الخطباء الفصحاء المقتدرين التابعين لها ليخطب في ذلك المسجد الذي حضر فيه السلطان، وأراد الخطيب أن يمدح السلطان وأن ينوه بكرمه تجاه طه حسين، ولكن خانته فصاحته وغلبه حب التغالي في المدح، فزل زلة لم تقم له قائمة بعدها، إذ قال أثناء خطبته: "جاءه الأعمى فما عبس في وجهه وما تولى" وكان ممن حضروا في تلك الصلاة الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقاً، فقام وأعلن للناس في المسجد أن صلاتهم باطلة، وعليهم أن يعيدوا صلاة الظهر، وذلك لأن الخطيب كفر بما شتم به الرسول تعريضاً لا تصريحاً، ثم دخل في الأمر دخلاء السوء من الحاقدين على العلماء، من أصحاب ذلك الخطيب، فأشاروا عليه بأن يرفع دعوى ضد الشيخ محمد شاكر رحمه الله، وثار البلد وكثر اللغط، ثم دخلت الحكومة في الأمر خشية ما يكون من وراء هذه القضية من أخطار، وطوي بساطها قبل أن ينظرها القضاء.