قال الشيخ أحمد شاكر: لكن الله لم يدع لهذا المجرم جرمه في الدنيا قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى. فأقسم بالله لقد رأيته بعيني رأسي بعد بضع سنين وبعد أن كان متعالياً منتفخاً مستعزاً بمن لاذ بهم من العظماء والكبراء، رأيته مهيناً ذليلاً خادماً على باب مسجد من مساجد القاهرة يتلقى نعال المصلين يحفظها في ذلة وصغار. حتى لقد خجلت أن يراني وأنا أعرفه وهو يعرفني، لا شفقة عليه فما كان موضعاً للشفقة، ولا شماتة فيه، فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، ولكن لما رأيت من عبرة وموعظة(1). وما أمر فرج فودة عنك ببعيد.
وإنه من يخذل الله يخذل.
فهل كانت كلمة ذلك الخطيب: "جاءه الأعمى فما عبس في وجهه وما تولى" أعظم جرماً أم نسبة الفشل إلى الرسول .و قال تعالى: ] إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً] و[الأحزاب:57]. وقال سبحانه: [ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتزقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً] و[الفتح:8-9].
وسنأتي على ذكر الأدلة على وجوب قتل شاتم الرسول .
***
ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ..
د.حكمت الحريري
بعد رجوع عروة بن مسعود الثقفي من مفاوضته مع النبي في وقعة الحديبية سنة ست من الهجرة، قام من عند رسول الله وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه.
رجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ما يحدون إليه النظر تعظيماً له، وقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً.