كان من الصعب على هيكل أن يدرك أن إهانة القرآن وسب الله والرسول e يمكن أن تدفع مسلما إلى الاستشهاد..
الأمر مرة أخرى هو افتقاد - أعترف أنه جزئى- لوسيلة القياس. ولقد كان افتقاد وسيلة القياس هذه سببا فى أخطاء فادحة تعرض لها فى تحليلاته التى تغطى مساحة كبيرة من الجرح العربى.. فلم يفطن أبدا - على سبيل المثال - أن أسباب فشل الحركة القومية الكبرى لمحمد على هى ذات أسباب فشل الحركة القومية الكبرى لجمال عبد الناصر.. وهى أنهما فى صدامهما مع الغرب تعاملا معه بمنهج غربى.. فاستغلهما الغرب - بالرغم منهما - شر استغلال لتنفيذ مآربه.
ولقد قام محمد على بالدور الذى رسمه الغرب له .. فإن الجيش الذى صنعته له فرنسا، وقام بتدريبه سليمان باشا الفرنساوى قد استخدمه محمد على لا فى محاولة الاستقلال عن الخلافة فحسب، بل فى محاربة الخليفة نفسه ! وقد كاد يتغلب على جيش الخليفة بالفعل لولا تدخل بريطانيا.. تظاهرا بالوقوف فى صف الخليفة، وغيرة فى الحقيقة من أن تستأثر فرنسا بصداقة السلطان، وبالنفوذ فى مصر! وفى الوقت نفسه لتخدم الهدف العام للصليبية بطريقة أخرى.. فقد أوقفت بريطانيا محمد على عند حده فى ظاهر الأمر، و منعته من مهاجمة الخليفة، وفى الوقت ذاته ضمنت له الاستقلال الفعلى عن الخليفة، وكرست أول شق عميق لفكرة الدولة الإسلامية المحورية.. سلحته أوروبا كى يستنزف قوة الإسلام وكى يكون كل الضحايا مسلمين.. هذا بينما تجمعت أوربا الصليبية كلها لتحطيم محمد على فى معركة نافارين لأنه نسى نفسه وتجرأ على مهاجمة دولة صليبية هى اليونان ! فقد كبّرته الصليبية وسلحته لمحاربة الإسلام فقط ، فإذا فعل ذلك فله كل العون . أما إذا هاجت أطماعه لحسابه الخاص ، فمسّ أحد الصليبيين بسوء، فإنهم يتحدون عليه لتحطيمه تحطيما كاملا إذا لزم الأمر..
نفس الشىء حدث مع جمال عبد الناصر.. نفس الهزيمة وذات الانهيار.. ولا اعتبار..!!..