ولذلك لما وَفَد عمرو بن العاص على مسيلمة – وكان عمرو على الشِّرك – فسأل مُسيلِمة ماذا أُنْزِل عليه ، فقال مسيلمة : ماذا أُنزل على صاحبكم في هذا الحين ؟ فقال له عمرو : لقد أُنزل عليه سورة وجيزة بليغة . فقال : وما هي ؟ قال عمرو : أُنزل عليه (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) )
قال : فَفَكَّر مسيلمة ساعة ثم رفع رأسه فقال : ولقد أُنزل على مثلها ! فقال له عمرو : وما هي ؟ فقال مسيلمة : ياوبر ياوبر إنما أنت ايراد وصدر وسائرك حفر نقر ! ثم قال : كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب !
فكل عاقل فصحيح يعلم أن ما يقوله مُسيلِمة كذب وافتراء واختلاق .
وكل عاقل سليم الذهن يعلم أن ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق .
وأنه لا يستقيم بحال من الأحوال مُقارَنة ما جاء به الصادق وما جاء به الكذّاب .
فلو كان الأنبياء ينطقون عن الهوى لفضحهم الله ، وحاشاهم أن ينطقوا عن هوى .
ولو كان الأنبياء يتكلّمون من عند أنفسهم ما أيّدهم الله .
كما أنهم لا ينسبون ما يقولونه إلى أنفسهم وإنما ينسبونه إلى الله ، والله ينصرهم ويؤيّدهم ، ويُثبت صدقهم بالعجزات الباهرة ، والأدلة الظاهرة .
فمُحال من كان كذلك أن يكون يتكلّم بهوى
وتعالى الله أن يؤيِّد من يفتري عليه الكذب .
كما أن موسى عليه الصلاة والسلام أُرسِل إلى أعتى أهل الأرض ، أُرسِل إلى فرعون الذي ادّعى الربوبية !
وكان فرعون يعلم في قرارة نفسه أن موسى صادق ، ولذلك قال الله تعالى عن آل فرعن : ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) .