ما أبشعه من جُرم ! . وما أعظمها من خطيئة !
لكنّه أحسَّ بالنّدم . وشَعَرَ بخطورةِ الأمر . وبفَدَاحةِ الخَطْب ، فردّدَ : هلْ لي من توبة تساءل ، وكرّرَ السؤال .
فدُلَّ على غيرِ دليل ، دُلَّ عابدٍ ما استنار بنور العِلم . فتعاظمَ الخطيئةَ وحَجّرَ واسعاً ، فحجّر رحمة الله التي وسعت كلّ شيء . فقال : لا . أبعدَ قتلِ تسعةً وتسعينَ نفسا ، ليس لك من توبة .
فما كان منهُ إلا أن استلَّ سيفَه ، وأطاحَ برأسِه . فأتمَّ به المائة .
وعلى نفسِها جَنَتْ بَراقِش !!
غير أن السّؤالَ ما زالَ يترددُ صَدَاه ، ويهتفُ به .
فأعادَ السؤال وكرّره : هل لي من توبة ؟
فدُلَّ على عالمٍ قد أنارَ اللهُ بصيرتَه ... قد استنار بنورِ العِلم .
فقال العالِم : نَعَمْ .
وقد كان هذا الجواب كافياً ، إذ هو على قدر سؤاله .
ولكن كعادة العلماء الربانييين يُشخّصون الداء ، ويصفون الدواء ، ويُفْتُون السائل ويُرشِدون الضال .
فقال له :
نعم . وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التّوْبَةِ ؟
ثم زاده في الدلالة والإرشاد فقَال لهُ : انْطَلِقْ إِلَىَ أَرْضِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنّ بِهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللّهَ فَاعْبُدِ اللّهَ مَعَهُمْ ، وَلاَ تَرْجِعْ إِلَىَ أَرْضِكَ ، فَإِنّهَا أَرْضُ سَوْءٍ .
فانطلق الرَّجُل . لا يلوي على شيء . تحمِلُه النِّجاد . وتحطُّه الوِهاد . يُسارعُ الخُطى ويحُثُّ السير . يُريد أرضَ الخير .
فلما انَتَصَفَ الطّرِيقُ دنا الأجل ، وأَحسَّ بالْمَوْتِ ، فنأى بِصَدْرِهِ شوقاً لتلك الدِّيار التي سمِع بها ولم يَرَها . غيرَ أن الأجلَ كان أسرع ، فوافته المنيّة .