تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان مِن مهجه أنه لا يقرأ الحديث على أحد ولا يُحَدِّث أحدا ، وإنما يكتفي بالعَرْض ، وهو أن يُقرأ عليه ، ويقول : يَكْفِيك العَرْض في القرآن ولا يَكْفِيك في السُّنَّة ؟

وقد امتنع مِن القراءة على أولاد الخلفاء !

قال مصعب الزبيري : سأل هارونُ الرشيد مالِكًا وهو في مَنْزِله ومعه بنوه أن يقرأ عليهم، قال : ما قرأت على أحد منذ زمان ، وإنما يُقْرأ عليّ ، فقال : أخْرِج الناس حتى أقرا أنا عليك ! فقال : إذا مُنع العام لبعض الخاص لم يَنتفع الخاص ، وأمَرَ مَعِن بن عيسى ، فقرأ عليه .

وقد يَرى العَالِم تربية من تحت يده ، أو تأديب بعض تلاميذه بِما يَراه مُناسِبا ، وذلك راجِع إلى اجتهاد العَالِم وتقديره للأمر ، فقد يكون صوابا ، وقد يكون خطأ .

وقد يكون في ذلك الأدب ما ينتفع به طالب العِلْم طيلة حياته .

وقد كان بعض السَّلَف يَمنع عِلْمه عن بعض الناس دون بعض ، ولهذا أصل في السنة .

قال الإمام البخاري : باب مَن خَصّ بِالعِلْم قَومًا دون قوم كراهية أن لا يَفْهَمُوا .

وذَكَر عبدُ الله بنُ أحمد في كتاب العِلل له قال : كان عروةُ بنُ الزبيرِ يُحِبُّ مماراةَ ابنِ عباسٍ ، فكان يَخْزِنُ عِلمَه عنه ، وكان عبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتبة يُلَطِّفُ له في السُّؤال فَيَعِزُّه بالعِلْم عِزّا .

وقال ابن جريج : لم أسْتَخْرِج العِلْم الذي اسْتَخْرَجْتُ مِن عَطَاء إلاّ بِرِفْقِي بِهِ .

وذلك لأن العِلْم شَرَف ورِفعة ، فكما لا يكون الفارس فارِسًا إلاّ بعد تدريب وفروسية ، ولا يَكون الْمُقاتِل مُقاتِلا مِقداما إلا بعد تعلّم فنون القِتال ، ونحو ذلك . فكذلك العالِم لا يكون عالِمًا إلاّ بعد أن يُذلّ نفسه .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذَلَلْتُ طَالِباً ، فَعَزَزْتُ مَطْلُوباً .

مكتبة الشيخ عبد الرحمن السحيم · الصفحة ٥٧٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مكتبة الشيخ عبد الرحمن السحيمص ٥٧٩٠