تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عَزَم على الزيارة أن يتأدب بآدابها ، ويُحْضِر قلبه في إتيانها ، ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط ، فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة ، ونعوذ بالله من ذلك ، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى ، وإصلاح فساد قلبه ... ثم يعتبر بمن صار تحت التراب ، وانقطع عن الأهل والأحباب ، بعد أن قاد الجيوش والعساكر ، ونافس الأصحاب والعشائر ، وجَمَع الأموال والذخائر ؛ فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه ، وهَوْل لم يَرْتَقِبه ، فليتأمل الزائر حال مَن مَضى مِن إخوانه ، ودَرَج مِن أقرانه ، الذين بَلَغُوا الآمال ، وجَمَعوا الأموال ، كيف انقطعت آمالهم ، ولم تُغْن عنهم أموالهم ، ومَحَا التراب مَحَاسِن وجوههم ، وافترقت في القبور أجزاؤهم ، وتَرَمَّل مِن بعدهم نساؤهم ، وشَمِل ذُل اليتم أولادهم ، واقْتَسم غيرهم طَرِيفهم وتِلادَهم ، وليتذكر تَردّدهم في المآرب ، وحرصهم على نَيل المطالب ، وانخداعهم لِمُواتاة الأسباب ، وركونهم إلى الصحة والشباب ، وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كَمَيْلِهم ، وغفلته عَمّا بين يديه من الموت الفظيع والهلاك السريع كَغَفْلَتِهم ، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم ، وليُحْضِر بِقَلْبه ذِكْر مَن كان مترددا في أغراضه ، وكيف تَهَدَّمت رِجلاه ، وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خَوَّله وقد سَالت عيناه ، ويَصول بِبَلاغة نُطْقِه وقد أكل الدود لِسانه ، ويضحك لِمُواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه ، وليتحقق أن حاله كَحَاله ، ومَآله كَمَآله ، وعند هذا التذكر والاعتبار تَزول عنه جميع الأغيار الدنيوية ، ويُقْبِل على الأعمال الأخروية ، فيزهد في دنياه ، ويُقْبل على طاعة مولاه ، ويَلِين قلبه ، وتخشع جوارحه . اهـ . الثامن : الابتعاد عن أسباب قسوة القلب من المعاصي وأسباب الغفلة ، ومن ذلك النظر الحرام والاستماع إلى الحرام ، وأكل الحرام .أخيرا : قال ابن القيم :اطلب قلبك في ثلاثة مواطن : عند سماع القرآن ، وفي مجالس

مكتبة الشيخ عبد الرحمن السحيم · الصفحة ٤٥٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مكتبة الشيخ عبد الرحمن السحيمص ٤٥٩٠