وقال عبد الله : كنت أسمع أبي كثيرا يُسأل عن المسائل فيقول : لا أدري ، ويقف ، إذا كانت مسألة فيها اختلاف ، وكثيرا ما كان يقول : سَلْ غيري . فإن قيل له : مَن نَسأل ؟ قال : سَلُوا العُلَماء ! ولا يكاد يُسَمِّي رَجلا بِعَينه . قال : وسمعت أبي يقول : كان ابن عيينة لا يُفْتِي في الطلاق ، ويقول : مَن يُحْسِن هذا ؟
نَقَل هذا ابن القيم ثم عقد فَصْلا في تَوَرّع السلف عن الفتيا :
قال فيه : وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرّع في الفتوى ، ويودّ كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره ، فإذا رأى أنها قد تَعَيَّنَتْ عليه بذل اجتهاده في معرفة حُكْمها من الكتاب والسنة ، أو قول الخلفاء الراشدين ، ثم أَفْتَى .
وقال الشاطبي عن الإمام مالك : وسأل رجل مَالِكًا عن مسألة وذَكَر أنه أُرْسِل فيها من مسيرة ستة أشهر من المغرب ، فقال له : أخبر الذي أرسلك أنه لا عِلم لي بها ! قال : ومن يعلمها ؟ قال : مَن عَلَّمَه الله .
وسأله رجل عن مسألة استودعه إياها أهل المغرب ، فقال : ما أدري ما ابتلينا بهذه المسألة ببلدنا ، ولا سمعنا أحدا من أشياخنا تكلّم فيها ، ولكن تَعُود فلما كان من الغد جاء وقد حَمل ثقله على بغله يقوده ، فقال : مسألتي ! فقال : ما أدرى ما هي ، فقال الرجل : يا أبا عبد الله تركتُ خلفي مَن يقول : ليس على وجه الأرض أعْلم منك ، فقال مالك غير مُستوحش : إذا رَجعتَ فأخبرهم أني لا أحسن ! وسأله آخر فلم يُجِبه ، فقال له : يا أبا عبد الله أجِبْني ، فقال : ويحك ! تُرِيد أن تجعلني حُجَّة بينك وبين الله ، فأحتاج أنا أولاً أن أنظر كيف خلاصي ثم أخلِّصُك !
وسُئل عن ثمان وأربعين مسألة ، فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري .
وسُئل من العراق عن أربعين مسألة ، فما أجاب منها إلاَّ في خمس !