وإذا صحّ النص في المسألة ، فلا يَجوز العُدول عنه إلى غيره . ومن ردّ النص الصحيح فإنه يُخشى عليه من الزيغ والفتنة ! قال تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
قال القرطبي : بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب ، ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره وتوعد . اهـ .
جاء رجل إلى مالك بن أنس فسأله ، فقال : قال رسول الله كذا ، فقال : أرأيت لو كان كذا ؟ قال الإمام مالك : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فقال مالك : أو كلما جاء رجل أجدل من الآخر رُدّ ما أنزل جبريل على محمد ؟!
كما أن ردّ النصوص الصحيحة الصريحة ليس من شأن أهل الإيمان ! قال تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
قال العلامة القاسمي في تفسيره " محاسِن التأويل " : اعْلَم أن كل حديث صَحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن رواه جامِعو الصِّحاح ، أو صَحَّحَه مَن يُرْجَع إليه في التصحيح من أئمة الحديث ، فهو مما تشمله هذه الآية ، أعْنِي قوله تعالى : (مِمَّا قَضَيْتَ) فحينئذٍ يَتعيّن على كل مؤمن بالله ورسوله الأخْذ به وقبوله ظاهراً وباطنا ،
وإلا بأن الْتَمَس مخارِج لِردِّه أو تأويله ، بِخلاف ظاهره ، لِتَمذهُبٍ تَقَلَّدَه ، وعَصَبيّة رُبِّيَ عليها - كما هو شأن الْمُقَلِّدَة أعداء الحديث وأهله - فيَدخُل في هذا الوعيد الشديد المذكور في هذه الآية ، الذي تقشعّر له الجلود ، وتَرجف منه الأفئدة .
واتّفَقَتْ كلمة الأئمة على ردّ أقوالهم إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى سُنّتِه