وهذا ضدّ ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم ، ثم إنه عَقَّبَ النهي عن اتِّخَاذِه عيدا بقوله : " وصَلًّوا عَليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " يُشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا .
وقد حَرَّفَ هذه الأحاديث بعض من أخَذَ شَبَهاً من النصارى بالشرك وشَبَهاً من اليهود بالتحريف فقال : هذا أمْرٌ بملازمة قبره والعكوف عنده ! واعتياد قصده وانتيابه ، ونَهْيٌ أن يُجْعَل كالعيد الذي إنما يكون في العام مرة أو مرتين ، فكأنه قال : لا تجعلوه بْمَنْزِلة العيد الذي يكون من الحول إلى الحول ، واقصدوه كل ساعة وكل وقت ! وهذا مراغمة ومُحَادّة لله ، ومناقضة لما قصده الرسول ، وقلب للحقائق ، ونِسْبَة الرسول إلى التدليس والتلبيس بعد التناقض . فَقَاتَل الله أهل الباطل أنى يؤفكون ....
ولو أراد رسول الله ما قاله هؤلاء الضُّلاّل لم يَنْه عن اتِّخَاذ قبور الأنبياء مساجد ويلعن فاعل ذلك ، فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يُعْبَد الله فيها فكيف يأمر بْمُلازَمَتِها والعكوف عندها ؟ وأن يعتاد قصدها وانتيابها ؟ ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول ؟
وكيف يسأل ربه أن لا يَجْعَل قبره وثَناً يُعْبَد ؟ وكيف يقول أعلم الخلق بذلك : " ولولا ذلك لأُبْرِز قبره ، ولكن خَشي أن يُتَّخَذ مسجدا " ؟ وكيف يقول : " لا تجعلوا قبري عيدا ، وصَلُّوا علي حيثما كنتم " ؟ وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضُّلاّل الذين جمعوا بين الشرك والتحريف ؟