قال محمد بن القاسم : صحبت محمد بن أسلم أكثر من عشرين سنة لم أره يصلي - حيث أَرَاهُ - ركعتين من التطوع إلا يوم الجمعة ، وسمعته كذا وكذا مرة يحلف لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني مَلَكَاي لَفَعَلْتُ خوفاً من الرياء ، وكان يدخل بيتا له ويُغلق بابه ، ولم أدْرِ ما يصنع حتى سمعت ابناً له صغيرا يَحْكِي بُكاءه ، فَنَهَتْهُ أمُّه ، فقلت لها : ما هذا ؟ قالت : إن أبا الحسن يَدْخُل هذا البيت فيقرأ ويبكي ، فيسمعه الصبي فَيَحْكِيه ! وكان إذا أراد أن يَخْرُج غَسَلَ وَجْهَه واكتحل فلا يُرى عليه أثر البكاء .
وكان أيوب السختياني في مجلس فجاءته عَبْرَة ، فجعل يتمخّط ويقول : ما أشدّ الزكام !
قال ابن المبارك : رب عمل صغير تعظمه النية ، ورب عمل كبير تصغره النية . وصدق - رحمه الله - فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك ، فدنا من المدينة قال : إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ، قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر . رواه البخاري من حديث أنس ، ورواه مسلم من حديث جابر وفيه : إلا شركوكم في الأجر .
فهؤلاء لما صلحت نيّاتهم وخلُصت لله كُتِبَ لهم مثل أجر الغزاة الذين غزو في سبيل الله . فبإخلاص العمل تعظم الأعمال الصالحة ، وإن كانت مما يتقالّه الناس ..
فقد غَفَرَ الله لرجلٍ بسبب غصن شوك أخّره عن الطريق . كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وغَفَر لامرأة بغيّ سقت كلباً يلهث من العطش . كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً .
وبما أن الأمر كذلك فإن المسلم يعمل الأعمال الصالحة ويجتهد فيها ، فإنه لا يدري ما هو العمل الذي يُغفر له بسببه .
5-النمص ( حكمه - خطورته - أضراره - فتاوى فيه )
قال راجي عفو ربّه :