وفي رواية لْمُسْلِم : قالت عائشة : فَقُلْتُ : هذه الْحَولاءُ بنتُ تُويت ، وزَعَمُوا أنَّها لا تَنامُ الليل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تَنامُ الليل ! خُذُوا مِن العَمَل مَا تُطِيقُون ، فوالِله لا يَسْأمُ الُله حَتى تَسْأمُوا .
ودَخَل النبي صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِد ، فإذا حَبْلٌ مَمْدُود بَيْن السَّارِيَتَين ، فقال : مَا هَذا الْحَبْل ؟ قَالوا : هَذا حَبْل لِزَيْنَب ، فإذا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا . حُلُّوه . لِيُصَلِّ أحَدُكم نَشَاطَه ، فإذا فَتَرَ فَلْيَقْعُد . رواه البخاري ومسلم .
قال بعضُ الحكماء : إنَّ لِهَذه القُلُوب تَنَافُرًا كَتَنَافُرِ الوَحْشِ ؛ فَتَألَّفُوهَا بالاقْتِصَادِ في التَّعْلِيم ، والتَّوسُّطِ في التَّقْدِيم ، لِتَحْسُنَ طَاعتُها ، ويَدُوم نَشَاطُها .
وكان ابن عباس يَقُول لأصْحَابه إذا دَامُوا في الدَّرْس : أَحْمِضُوا . أي : مِيلُوا إلى الفَاكِهَة وهَاتُوا مِن أشْعَارِكم ، فإنَّ النَّفْس تَمَلّ .
فما يُذْكَر مِن أخْبَار الصَّالِحين – إنْ صَحَّتْ – في هذا الباب فهو خِلاف السُّنَّة .. وخِلاف هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم ..
ثمّ هو خِلاف الطَّبِيعَة البشرية ..
فإنَّ مِن كَمَال الإنسان أن يَنَام !
ثم إن في النَّوْم قُوّة على الطاعة والعِبادة ..
شأن النَّفْس كشأن أجاوِيد الْخَيْل ..
إن أُنْهِكَتْ هَلَكَتْ .. وإنْ أُجِمَّتْ جَرَتْ ..
ولا تَسْتَجِمّ الْخَيْلُ حَتى نُجِمَّها *** فَيَعْرِفها أعْدَاؤنا وهي عُطَّفُ
لذلك كَانت خَيْلُنا مَرةً تُرى *** حِسَانا ، وأحْيانا تُقَاد فَتعجَفُ
وثَمّ تنبيه آخر .. هو في قوْل القائل :
أمَا والله لَو عَلِم الأنَام *** لِمَا خُلِقُوا لَمَا هَجَعُوا ونَامُوا
لَقَد خُلِقُوا لأمْرٍ لَو رَأتْه *** عُيُون قُلُوبِهم تَاهُوا وهَامُوا