وبِحُسنِ الخُلق يبلغ العبد منازلَ لا يدركُها بعمله ، بل إنه يدركُ درجة الصائم النهار القائم الليل إذا حسُن خُلُقه .
فعن عَائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ: إِنّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ الْقَائِمِ . رواه أحمد و أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي . وهو صحيح .
فهذه رُتبةٌ عالية ، ومنزلةٌ سامية ، وشرفٌ عظيم ، ينالُه المسلم بحُسن خُلُقِه .
قال ابنُ حجر : حسنُ الخُلُق : اختيار الفضائل وترك الرذائل .
والصورةُ المقابلة هي صورةُ ذلك الفاحش الذي إن تركه الناسُ فإنما يتركونه اتّقاءَ فُحشه وهم يهُشّون ويبُشّون له تجنباً لسوء خُلُقِه . فهذا من شرارِ الناس كما قال الصادقُ المصدوق .
عن عائشة رضي الله عنها أنه استأذَنَ على النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال : ائذَنوا له فبئسَ ابن العَشِيرة ـ أو بئسَ أخو العشيرة ـ فلما دخلَ ألانَ له الكلام . فقلتُ له : يا رسولَ الله قلتَ ما قلتَ ثم ألنتَ له في القول . فقال: أي عائشة إن شر الناسِ مَنزِلةً عندَ الله مَنْ ترَكهُ ـ أو وَدَعه ـ الناسُ اتّقاءَ فُحشِه . رواه البخاري ومسلم .
وعند البخاري : فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة متى عهِدْتِني فاحشاً ؟ إنّ شرّ الناسِ عندَ الله منزلةً يومَ القيامة مَن تَركهُ الناسُ اتقاءَ شرّه .
لا والله يا رسول الله ما عهدناك فاحشاً ، وما عهدتك العرب في جاهلية ولا في إسلام ، وأنّى يكون الفحش من أخلاقك وأنت الذي قال ربك في وَصْفك بقوله : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) .
شهمٌ تُشيد به الدنيا برمتها على المنائر من عُربٍ ومن عجم
وكما أن العبد يبلغ درجة الصائم القائم بحُسْنِ خُلُقِه ، فإنّه قد يَحْبَطُ عملُه ويصبحُ من أهل النار بسوء خُلُقِه .