تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شيء من ذلك على الإطلاق وما حصل في الحرب السادسة أن حزب الله قاتل تحت الأرض وليس فوقها وهذا ما فاجأ قادة إسرائيل وجنرالاتها الذين صرخوا بأعلى أصواتهم وأصيب قائد جيشهم بأزمة نفسية: " لقد فاجئونا"، " كأننا نقاتل الجن"، " ليظهروا كي تكون حربا عادلة". وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار مساحة لبنان ومساحة المواجهة في الجنوب فلا شك أن وقْع مفاجأة حزب الله بالصمود والقتال والدفاع والهجوم قد بلغت شظاياها كل عسكري من الجندي وحتى وزير الدفاع، وكل مقاوم وكل محلل وكل استراتيجي عربي أو غير عربي. فقد اعتاد العرب حكومات وجنرالات وحركات تحرر على الهزائم، وبرعوا في تبريرها وتسويقها على أنها خسارة معركة وليس خسارة حرب، وفي كل مرة كنا ندفع الثمن في الأرض والدم والحرية والقهر والإذلال والحقوق حتى غدت أقدس قضايانا لا تساوي ثمن رغيف خبز، بل أن مخيلتنا لم تعد تتسع لنصر بقدر ما باتت تتسع لهزائم منكرة وإهانات بالجملة وتراجعات لا حدود لها بما في ذلك العمالة في صف القيادات والخيانة العظمى على مستوى الأوطان. ولكن كيف تجاوز حزب الله كل الهزائم العربية واستطاع أن يلحق هزيمته المشهودة بإسرائيل؟

- العلم هو الذي انتصر. لا شك أن حزب الله راهن على العلم والعمل الدؤوب فأنشأ مراكز الأبحاث والترجمة والرصد والمتابعة والتحليل والتعقيب واستخلاص العبر وإيجاد الحلول والبدائل وخصص فرقا لعمله ودرب جنده وبنى كوادره على العلم والمعرفة الذي هو سلاح العصر ولم يخض مع نفسه أو غيره مماحكات الأيديولوجيا والسياسة والمكابرة والخوف والريبة، ولم تأخذه العزة بالإثم ولم يقلل من شأن عدوه ولم يغتر بنفسه. بل أنه أقام مصانع السلاح والذخيرة وطور ترسانة ردع عسكرية أثبتت فاعليتها في الميدان، ومن المؤكد أن حساباته تجاوزت أي حظر محتمل للتسلح، فإذا كانت الولايات المتحدة وبعض العرب والنخب المثقفة وغيرها تحتج بأن إيران هي التي سلحت حزب الله ودعمته، وهذا صحيح ولكن بحدود، وأنه لولاها لما كانت لحزب الله هذه السطوة، فمن الأجدر سؤال هؤلاء لاسيما الدول العربية بالذات عن مبرر تحالفاتها السابقة مع الاتحاد السوفياتي أو مع الغرب حاليا؟ فلماذا تبدو إيران وحزب الله قويان في مواجهة إسرائيل فيما تبدو الدول العربية مجتمعة ضعيفة عاجزة ومنهكة أمام أصغر دولة أوروبية؟ ولماذا تكتسح البطالة علماءنا وخريجينا ومثقفينا وتبدو أغلب الدول العربية متسولة في اعتمادها على السياحة والأمن والاستقرار كالمضبوعة لا تقوى على إدانة جريمة؟ فأي علم يسود في الدول العربية؟ ولأية أهداف يوظف؟

- الإرادة السياسية. فقد أثبتت الحرب أن لحزب الله قيادة تتمتع بإرادة سياسية صلبة تقف بعزم وثبات في مواجهة الخصم وتصمم على خوض مواجهة شاملة إذا ما وقعت وهي مسلحة ببناء عقدي لا يقبل المساومات ولا المراوغات ولا الكذب ولا التزوير ولا التخاذل ولا التواطؤ. وأن مثل هذه القيادة والإرادة قادرة بما لا يدع مجالا للشك على الدفاع عن البلاد والعباد وإن بقليل أو بكثير من الخسائر المؤقتة. إرادة مسلحة بقوة ضاربة أعدت إعدادا استراتيجيا صارما على كافة وأعلى المستويات الأمنية والعسكرية والتدريبية والتسلحية، وهي إرادة سياسية ذات أهداف سياسية وطنية واضحة ومشروعة ينبغي بلوغها أيا كانت النتائج.

مجموع مقالات عن حال الأمة · الصفحة ٤٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجموع مقالات عن حال الأمةص ٤٦١