(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)
وفي هذا إيماء إلى ذم اتباع هوى النفس، ومن ثم قال وهب بن منبّه: إذا شككت في خير أمرين فانظر أبعدهما من هواك فأته.
وقال سهل التّسترى: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك، وقال الإشبيلي الزاهد:
فخالف هواها واعصها إنّ من يطع ... هوى نفسه ينزع به شرّ منزع
ومن يطع النفس اللجوجة تزده ... وترم به في مصرع أيّ مصرع
وقال البوصيرى في بردته:
وخالف النفس والشيطان واعصهما ... وإن هما محّضاك النصح فاتّهم
وقال ابن عباس: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمّه، قال تعالى «وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ» وقال: «وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» وقال «وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ».
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلّى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»
وقال أبو أمامة: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يقول «ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى»
وروى شدّاد بن أوس عن النبي صلّى الله عليه وسلم «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمني على الله»
وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال «إذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متّبعا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة»
وعنه أنه قال «ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، فالمهلكات شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، والمنجيات خشية الله في السر والعلن، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب».
وحسبك ذمّا لاتباع الهوى قوله تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى».
(وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) تمنعه أن يبصر حجج الله وآياته في الآفاق والأنفس، فيستدل بها على وحدانيته ويعلم بها أن لا إله غيره.
قال مقاتل: نزلت في أبى جهل. ذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد ابن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: والله إني لأعلم أنه صادق، فقال له مه، وما دلك على ذلك؟ قال: يا أبا عبد شمس كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تم عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن، والله إني لأعلم أنه صادق، قال فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به؟ قال: تتحدث عني بنات قريش أني اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعزّى إن اتبعته أبدا فنزلت «وختم على سمعه وقلبه».