ما أراه من صراعات هي في حقيقتها لا تحكي صراع حق وباطل من كل الوجوه، بل هو صراع بين حق يشوبه بعض الباطل، وباطل يتضمن بعض الحق، لذا لا تحسم الجولات، فالصراع كله في المنطقة الرمادية، لكن إذا وجد صراع حق وباطل من كل الوجوه فحتمًا الحق منتصر، وحتمًا هناك تدخل غيبي لنصرة الحق، ومن ظن غير ذلك فهو واهم ولم يحسن قراءة القرآن الكريم، ولم يفهم سننه بطريقة واعية.
(243)
جاء في حق بني إسرائيل: "وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ" [البقرة 93]، الإشراب هو تسلل حب العجل إلى القلب حتى يتملك صاحبه، فتكون عواطفه كلها مملوكة له، وقد جاء في حق أمة محمد - عليه السلام - ما يشير إلى ذات المعنى، لكن بشكل آخر يقول النبي الكريم: "وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله" أخرجه أبو داود والطبراني وأحمد.
ومعنى الحديث أن بعض الناس تتجارى بهم الأهواء بعدما تتعلق بقلوبهم كما يجري داء الكلب في صاحبه تدريجيًا، حتى لا يترك عرقًا ولا مفصل إلا دخله، وهو جريان لا يصلح معه العلاج أو يتعذر معه كثيرًا، وكذلك صاحب الهوى إذا دخل الهوى في قلبه وأشرب حبه، فإنه يكون في حالة لا تصلح معها موعظة ولا ينفع معه برهان.
(244)