يتجلى، إذن، أن المغرب لم يدرك، باكرا، كل المنافع الممكن استخلاصها من تبني تقنولوجية الطباعة. وعلى عكس ذلك، كانت الإمبراطورية العثمانية سباقة، داخل العالم الإسلامي، إلى تبني الطباعة بعد أن تم الحصول على فتاوي العلماء بإجازة إدخالها إلى أرضها. ولقد كان للأفكار الإصلاحية لحاجي خليفة المشهور باسم كتاب جلبي دور في الالتفات إلى أهمية الطباعة. وازدادت الرغبة في جلب هذه الأخيرة من بلاد الغرب في العشرينات من القرن الثامن عشر في أعقاب السفارة التي أرسلها إبراهيم باشا، الصدر الأعظم، إلى لويس الخامس عشر. لكن الطباعة لم تحظ بالقبول التام إلا مع حلول القرن التاسع عشر. ويعتبر العالم العثماني المستعرب محمد حقي من الأوائل الذين أبرزوا فضائل الطباعة ومزاياها. ومن قبله، استطاع إبراهيم متفرقة، وكان يدين سابقا بدين المسيحية، أن يقنع العلماء والسلطان العثماني بأهمية التقنولوجية للطباعة، وألف في هذا الشأن رسالة مشهورة تحت عنوان "وسيلة الطباعة".
فيما يتصل بالمغرب، ربما تعود بداية الطباعة إلى السنوات الأولى من القرن السادس عشر حينما أقدم يهودي مغربي، وهو صمويل إسحاق، مع والده، على إنشاء دار عبرية للطباعة بفاس. لكن ما هو مؤكد، كما سبق ذكر ذلك، هو أن الفقيه السوسي محمد بن الطيب الروداني، أول من استجلب آلة الطباعة. إلا أن المخزن سيصادر هذه الآلة ويوجهها إلى مكناس قبل أن يستقر بها المطاف بفاس. وبهذه المدينة، سيشرف الخبير المصري -القباني- على تدريب مغاربة وتمرينهم على تقنيات الطباعة. واشتهر من هؤلاء المتدربين الطيب الأزرق ومحمد الهفروكي المراكشي. ولقد تسنى للبعض منهم إتقان هذا الفن. وبرز من ضمنهم عبد القادر الشفشاوني الذي أرسله السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان لمصر لمعاينة مؤسسة الطباعة التابعة للحكومة المصرية.