تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت هذه الثقافة الدينية البدائية المحافظة مطوقة بأسوار النظام الإقطاعي التي تعتبر واحدة من تكويناته؛ إلى جانب عوامل تكوين أخرى اقتصادية واجتماعية وسياسية. وإن مراجعة سريعة لأنواع الكتب التي صدرت خلال فترة 1830 ـ 1908 وأصناف تخصصاتها واتجاهات مضامينها تؤكد ذلك، وتشير في الوقت نفسه إلى أن دخول الطباعة إلى فلسطين كان عاملاً حاسماً في تطوير هذا الواقع الثقافي؛ وما يتصل به من تكوينات أخرى للمجتمع الفلسطيني. وإن استقراءً مدققاَ لمعطيات تطوير القطاع الطباعي في فلسطين خلال الفترة 1914-1908 والتي كانت الثمرة الطبيعية لجهود ومساعي النشاط الإصلاحي والتحديثي؛ وصنع أدواته ووسائله التي أعطت أكلها في وقت مبكر، خصوصاً لجهة ولادة الصحافة؛ وتكاثر عدد الصحف في تلك الفترة بوتائر تصاعد عالية، وارتفاع القدرة الإنتاجية للمطابع بما يساعد على تلبية حاجة المدارس ويستجيب لازدياد عددها؛ واتساع رقعة تواجدها الجغرافي، وتزايد عدد الطلاب فيها، وما يعنيه ذلك من دلالات تعبير ملحوظ في فترة زمنية قياسية. إن هذا الأمر يدل على أن النواة الطليعية الأولى لحركة النهضة القومية في فلسطين قد بذرت بذوراً مخصّبة، بعد أن أمنت لها التربة الصالحة للنمو، متأثرة ومستفيدة من تجارب الشقيقات العربيات المجاورات. وكانت النتيجة هي تبوء الثقافة بشكل تدريجي مكانه بارزة في اهتمام المجتمع الفلسطيني، أمكن تجسيدها في تطور مفاهيم التدريس في المدارس الدينية، فتحولت معها وظيفة هذه المدارس من تخريج دعاة للتدين والسلفية؛ ومبشرين باللاهوت وبالمذاهب الدينية؛ إلى تخريج دعاة للوطنية والعلم والحضارة والقومية. وقد مثلت "مدرسة المرسلين الإنجليز" في القدس؛ والمشهورة باسم "مدرسة الشبان" واحدة من أبرز النماذج في هذا الاتجاه، خصوصاً عندما أنيطت إدارتها بالعلامة الجليل نخلة زريق؛ ابن مدينة عكا الذي استطاع بنفوذه وشخصيته الراقية أن يجعل من تلك

محاضرات في المخطوط العربي · الصفحة ١٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محاضرات في المخطوط العربيص ١٥٤