تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي هو شيء باطني لا يتحكم فيه" (1). و يبدو أن استلهام هذا الطرح واضح في قضية الأستاذ أحمد أبو زيد، إذ سبق لمحكمة النقض المصرية أن حكمت بالردة في شأن هذا الباحث، مما استتبع التفريق بينه و بين زوجته. التصدي للردة إذا عرضت على القضاء، كما جاء في الحكم الاستثنائي الصادر بالتفريق بين الدكتور أبو زيد و زوجته" لا تعد محاربة لحرية الاعتقاد، و إنما حماية للاعتقاد من هذه الأهواء الفاسدة. أما الاعتقاد فيتعلق بديانة الإنسان، أي بسريرته مع خالقه سبحانه و تعالى، و ليس للمحاكم أن تتدخل فيه أو تفتش عنه" (2).

لا زال الكثير من الباحثين المحدثين و المعاصرين (3) متمسكين بهذا التقدير الموروث. فالردة عندهم قد تأخذ صورة الإعلان الحر عن الرأي، و قد تلبس لباس التصريح الحر بالفكر، لكنها في مآلها و نتيجتها بمثابة الخروج عن النظام العام للمجتمع الإسلامي، و تلك صورة من صور الإساءة للإسلام و لأهله سبق للقٍرآن المجيد أن نبه إليها في قوله تعالى: " و قالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار و اكفروا آخره لعلهم يرجعون" \ سورة آل عمران، الآية 71\ و في قوله أيضا: " و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون" \ سورة البقرة، الآية 13\

ميز بعض الباحثين المقتدرين بين الردة المركبة و الردة البسيطة: أي بين الردة المحاربة و الردة المجردة. فلما كانت الأولى مصحوبة بالتمرد و النفاق و التلاعب بالدين والحرب على المسلمين فلا يصح إدراجها ضمن باب الحدود، بل هي من باب التعازير والسياسة الشرعية، و من باب التصرف بالإمامة ... وكل هذا يقدر تبعا لظروف الإسلام والدولة الإسلامية من استقرار، و فتنة، أو ضعف، أو قوة ... و تبعا للأفعال المصاحبة للردة والمخاطر و الأضرار الناجمة عن هذه الردة أو الخيانة. و الردة الثانية، لما كانت ردة الشخص مع نفسه و مع فكره، سواء أسرها أو جهر بها كانت ردة مسيطة أو مجردة. وفي ضوء هذا التمييز قال الأستاذ الجليل أحمد الريسوني عن هذه الردة الآخيرة " لذلك أرى أنها غير مشمولة بعقوبة الردة المركبة، بل هي مشمولة بنصوص و أدلة أخرى، أبرزها و أصرحها قوله تعالى: " لا إكراه في الدين"" (4).

و الحق أنه هذا التمييز أو لنقل هذا الرأي جدير بالاعتبار لأن الإكراه في الإسلام منفي بجميع أنواعه و بمختلف صوره بما فيها الإكراه على التعبير عن الرأي الذي يعتقده صاحبه، و يؤمن به، وينشد التصريح به إلى الغير، بل قد يلهج به لسانه،. إن رفع الوصاية على الناس في عقائدهم و آرائهم و أفكارهم و اجتهاداتهم و تعبيراتهم أمر مقرر في طبيعة هذا الدين. أقول هذا لأن الله تعالى هو الوصي الوحيد على نوايا الناس و ضمائر البشر، وهو سبحانه المطلع الوحيد على حقيقة و فحوي و مقاصد ما تكنه صدورهم، و ما يلهج به لسانهم، و ما تخطه أقلامهم، و ما تفكر فيه عقولهم. و لو شاء سبحانه أن يكره الناس على دينه و أن يستبقيهم في كيانه لكان له ذلك، فصرفهم عن التعبير عن الارتداد عن دينه لقوله تعالى: " قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم

(1) علال الفاسي، مقاصد الشريعة ص: 25.

(2) محمد سليم العوا، الحق في التعبير، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الثانية، 2003م، ص: 24.

(3) كأن معنى حرية التصريح بالارتداد في هذا الباب، و كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: " إعطاء الآخرين حرية الإساءة إلى الإسلام ... و كثيرا ما يرادف الارتداد جريمة الخيانة العظمى، و تكون مقاومته واجبا شرعيا". حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام و إعلان الأمم المتحدة، الإسكندرية، دار الدعوة، الطبعة الخامسة، 2002 م\ 1422 ه، ص: 67. يراجع أمثلة عن ذلك في كتاب حرية الاعتقاد لعبد الرحمن حللي، ص 101 هامش رقم 1 و أيضا مفاهيم الحق لزيد كيلاني ص: 184.

(4) أحمد الريسوني، حرية الاعتقاد و قضية الردة في الإسلام، الحلقة التاسعة، جريدة المساء، 10 شتنبر، 2008م.

مفهوم حرية التعبير عن الرأي في الإسلام · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مفهوم حرية التعبير عن الرأي في الإسلامص ٩