تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إليه اليوم أغلبية أنظمة البلدان الإسلامية إذ تعمد إلى الجنح المتصلة بالرأي أو المعتقد فتحولها إلى مؤامرة ضد أمن الدولة لقمع كل صوت ناشز" (1).

و منها ما هو فقهي، إذ رأى جمهور الفقهاء وجوب قتل المرتد. و مستند الجمهور في القول بقتل المرتد هو كثير من الأحاديث أبرزها حديثان: الأول قوله صلى الله عليه و سلم: " من بدل دينه فاقتلوه" (2)، و قوله صلى الله عليه و سلم: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، و الثيب بالزاني، و المفارق لدينه، التارك للجماعة" (3). لئن اعتبر جمهور الفقهاء نفي الإكراه عن الدين مبدأ راسخا في الإسلام فإن ذلك محصور في ما قبل الاقتناع بعقيدته و قبل الاندماج في بنائه المجتمعي. يضمن الإسلام في نظرهم للناس كافة عدم إكراههم على الدين الإسلامي، لكن إذا اعتنقوا الدين الإسلامي، و انخرطوا في بنائه المجتمعي، و اندمجوا في هياكله، و احتكوا مع أفراده، لم يبق لهم من حرية التعبير عن آرائهم و اعتقاداتهم إلا ما يمس الأمور الاجتهادية. لا حرية لهم، و لو كانوا من العلماء الراسخين، في التعبير عن اعتقادات و آراء مناقضة لعقيدة التوحيد في الإسلام. و إذا كان من إكراه في عقوبة المرتد فهو إكراه لا على الدخول في الإسلام، و إنما هو إكراه على عدم التصريح بأي تعبير يخرج صاحبه من الإسلام (4).

لا يتعلق المقصد الشرعي من قتل المرتد (5) عند جمهور الفقهاء بحرية الناس في التعبير عن آرائهم (6) و معتقداتهم. المقصد الشرعي من هذه العقوبة ليس الطعن في هذه الحرية، و إما المقصد من هذه العقوبة متعلق بالحفاظ على نظام المجتمع، فهو مقصد تنظيمي مجتمعي حتى لا تنحل "الجامعة الإسلامية".قال الأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي:" المستعلن بردته عن الإسلام داخل المجتمع الإسلامي خارج على جماعة المسلمين بكل مقوماتها الدينية و الوطنية و السياسية، صرح بذلك أم لم يصرح". إن الذي يعبر عن رأي يناقض العقيدة الإسلامية إنما يعلن خروجه عن الإسلام، و هذا الإعلان كان في تقديرهم بمثابة التعريض به و الاستخفاف به. و تلك أول خطوة من الخطوات التي تمهد الطريق لمن يريد الانسلال منه. و هي خطوات فاسدة يجب، كي ندرأها و ندفعها، أن يشرع حكم توقع الموت كحكم زاجر فلا يدخل أحد إلى الإسلام إلا و هو حر في فكره، و في اعتقاده، و في تعبيره عن فكره و اعتقاده.

لقد سبق للأستاذ علال الفاسي رحمه الله في الستينات من القرن العشرين أن قال:" الذي لا شك فيه أن الذين يقولون بقتل المرتد، و هم عامة الفقهاء غير المعاصرين، إنما يقصدون بذلك حماية الطائفة الإسلامية، لا المساس بحرية الإيمان

(1) محمد الشرفي، الإسلام و الحرية ص: 71.

(2) صحيح البخاري، كتاب: استتابة المرتدين و المعاقدين و قتالهم، باب: حكم المرتد و المرتدة و استتابتهم، رقم الحديث 6922 و سنن أبي داوود، كتاب الحدزد، باب الحكم فيمن ارتد، رقم 4351، و سنن النسائي، كتاب تحريم الدم، باب الحكم في المرتد، رقم 4059، و سنن ابن ماجة، كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه، رقم الحديث 2535.

(3) صحيح البخاري، كتاب: الديات، باب النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف و الأذن بالأذن، و باب: ما يباح من دم المسلم، رقم الحديث 6878.

(4) أي إن قتل المرتد، و كما قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله: " هو من الإكراه على البقاء في الإسلام" ابن عاشور، تفسير التحرير و التنوير ج 2 ص: 337

(5) و قد استدل الإمام محمد الطاهر بن عاشور على قتل المرتد من القرآن المجيد، و بالضبط من قوله تعالى: " و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا فمن يرتد منكم بعد إيمانه فيمت." قال بن عاشور: " و قد أشار العطف في قوله تعالى: "فيمت" بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد، و قد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد فيعلم السامع حيئذ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية فتكون الآية بها دليلا على وجوب قتل المرتد". تفسير التحرير و التنوير ج 2 ص: 335.

(6) البوطي، الجهاد في الإسلام، ص: 213.

مفهوم حرية التعبير عن الرأي في الإسلام · الصفحة ٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مفهوم حرية التعبير عن الرأي في الإسلامص ٨