تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أجمعين" \ سورة الأنعام، الآية 150\ و قوله أيضا: " و لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" \ سورة يونس، الآية 99\

الإسلام هو دين الدولة الرسمي للأغلبية الساحقة من البلدان العربية و الإسلامية. ذلك ما تؤكده معظم دساتيرها المكتوبة على الأقل. و إذا صرح هذا الفرد أو ذاك بفكرة أو برأي قد يخالف بصورة من الصور الصريحة مقتضيات الدستور المعمول به فهذا لا يدخل دائما و أبدا ضمن الجرائم ما دام صاحب هذه الفكرة أو صاحب ذلك الرأي ملتزما بالقوانين المرعية و السارية، و غير مفارق للجماعة. و قديما بين ابن حجر أن المراد بالجماعة (1) " جماعة المسلمين، أي فارقهم أو تركهم بالارتداد، فهي صفة للتارك أو المفارق" (2). فرق كبير بين الخروج من القانون و الخروج على القانون. الخروج الأول رأي لئن كان مخالفا أو معرضا للنظام العام فإنه غير مقترن بخيانة الجماعة و مفارقتها، و الخروج الثاني رأي انتقل من دائرة الفكر و الرأي إلى دوائر الفوضى و الحرابة و البغي (3)، و لهذا نتفهم من علل عقوبة قتل المرتد بالحرابة لا بمجرد الكفر. فللمرتد الحرية التامة في الإيمان بما يعتقده، فهو حر لا إكراه لأحد عليه فيما يراه و يعتقده، له الحرية التامة في التعبير عن آرائه التي قد تخالف مخالفة صريحة عقائد الإسلام و أساسيات أحكامه التشريعية، له الحرية في كل ذلك ما دام رأيا شخصيا له، لكن عندما ينتقل هذا الرأي من دائرة الحرية التعبيرية إلى دائرة الكيد العدائي للإسلام و لجماعة المسلمين فإن الحكم الشرعي مندرج في هذا المقام ضمن التعازير و السياسات التي يقدرها الحكام، و التي تختلف بحسب اختلاف أحوال الإسلام و ظروف المسلمين.

2 الاستنكار

يندرج الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ضمن الأحكام الكفائية في الشريعة الإسلامية التي إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين، لكنها تتحول إلى مرتبة الأحكام العينية إذا قدر المكلف على ممارستها و الوفاء لمتطلباتها. فالذي يسلم له الناس بالقدرة البيانية على التعبير، و الذي يتيقن من ذاته القدرة على السجال و الجدال يصبح التعبير عن الرأي عنده واجبا عينيا. و هذا ما سبق لأبي بكر بن العربي أن صرح به. فالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فرض كفاية، لكنه، كما قال: " قد يكون فرض عين إذا عرف المرء من نفسه صلاحية النظر و الاستقلال بالجدال أو عرف ذلك منه" (4).

لا سبيل للمؤمنين إلى ممارسة الاستنكار إلا بأن تكون لهم الحرية في التعبير سواء في إقرار المعروف أو في استنكار المنكر. قال تعالى: " و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر"\ سورة التوبة، جزء من الآية 72\.عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: " من رأي منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، و ذلك أضعف الإيمان" (5). و عن عبد الله بن مسعود أنه صلى الله عليه و سلم قال أيضا: " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان من أمته حواريون، و أصحاب يأخذون بسنته، و

(1) في حديث " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، و الثيب بالزاني، و المفارق لدينه، التارك للجماعة"

(2) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق عبد العزيز بن عبد الله بن باز و محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة، دار الحديث،، 2004 م1424 ه، ج 12 ص: 232.

(3) متولي عبد الحميد، مبادئ نظام الحكم في الإسلام، الأسكندرية، منشأة المعارف، الطبعة الرابعة، 1978 م، ص: 305.

(4) أبو بكر بن العربي، أحكام القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، بيروت، لبنان، دار المعرفة، بدون تاريخ، ج 1 ص: 292 و ذهب ابن تيمية إلى أنه يتحول إلى فرض عين في حال امتلاك السلطة و الإمرة: " فذوو السلطان أقدر من غيرهم". الحسبة لابن تيمية ص: 55.

(5) أخرجه مسلم، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، و أن الإيمان يزيد و ينقص، و أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان، رقم 49.

مفهوم حرية التعبير عن الرأي في الإسلام · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مفهوم حرية التعبير عن الرأي في الإسلامص ١٠