أمره الكونى القدرى ، فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات ، وقدح فى العقول والفطر ، فقد جعل الله سبحانه مصالح العباد فى معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهى ، كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها .
بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه ، بل الموجودات كلها أسباب ومسببات والشرع كله أسباب ومسببات والمقادير أسباب ومسببات والقدر جار عليها متصرف فيها ، فالأسباب محل الشرع والقدر ، يقول الترمذى : ( فهذه كلها أسباب والآدمى يرى ما ظهر عنها وفى باطنها ربوبيتة ، وهو الذى دبر هذا كله من القدر وأمضى التدبير بمشيئته تحقيقا للابتلاء ) (1) .
والقرآن مملوء من إثبات الأسباب وتعليق الأحكام عليها بالتكليف والابتلاء .
قال تعالى : ﴿ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم فى الأيام الخالية ﴾ (2) .
وقال تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا ــــــــــــــــــــــــ
1- نوادر الأصول ص 397 .
2- الحاقة / 24 .
عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل و أعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } (1) .
والآيات كثيرة فى هذا الباب لا تكاد تحصى ، وكلها تدل على أن الأسباب إنما جعلت لحكمة وغاية .
قال تعالى : ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ﴾ (2) .
وقال تعالى : ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ﴾ (3) .
يقول ابن القيم : ( والحق هو الحكمة والغايات المحمودة التى لأجلها خلق ذلك كله ) (4) .
وذكر من هذه الحكم والغايات :
1- أن يعرف الحق سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته0
2- أن يحب ويعبد ويشكر ويذكر ويطاع .
3- أن يأمر وينهى ويشرع الشرائع .
1- النساء / 160 ، 161 .
2- المؤمنون / 115 .