المطلب الأول
آراء العلماء في الحكم على المفقود موتاً أو حياةً
المفقود -كما اتضح من خلال التعريف- دائر أمره بين الحياة والموت مع الجهل التام بحقيقة حاله، ومن البدهي أن لكل من الحالتين أحكاماً تخصها وثمة أشخاص معنيون بهذه الأحكام كزوجة المفقود وأقربائه وأنسبائه وشركائه والمتعاملين معه، فكان من الطبيعي جداً أن يتصور رفع أمره إلى القضاء ليبرم أمره فيه في الحقوق المشتركة بين المفقود والآخرين.
ومما لا شك فيه أن كلَّ هؤلاء آخرُ عهدهم بالمفقود كان وهو حي يرزق والقاعدة الأصولية تقول: يبقى ما كان على ما كان، ولذا يحكم بادئ ذي بدء بحياته لكن السؤال المشروع هو: إلى متى يستمر هذا الحكم؟ وإلى متى تؤجل حقوق الأحياء المطالبين بها من ذمة هذا المفقود بدعوى حياته.
لقد تعددت آراء الفقهاء في هذه المسألة وتنوعت جداً منذ عهد الصحابة الكرام فما بعد.
فمنهم - كما سبق- من نظر إلى المفقود نظرة واحدة فجعله نوعاً واحداً أجرى عليه حكمه، ومنهم من فرق بين الأحوال والملابسات التي جرى فيها فقده، وبالتالي فصل وخصّص لكلّ حال منها حكماً خاصاً بها.
ونحن نستعرض آراءهم بالتفصيل إذ هذا هو صلب موضوعنا وعليه يترتب كل الأحكام المتعلقة به ومن متى يبدأ تنفيذها عليه.
أولاً: أراء الفقهاء غير المفرقين بين أحوال المفقود
لا يوجد فرق بين مفقود ومفقود عند الحنفية والشافعية من حيث الحكم عليه موتاً أو حياتاً، ولذا جمعنا بينهم تحت هذا العنوان وإن كان رأيهم يختلف بعض الشيء في تفاصيل مدة الإنتظار ولذا نتناول رأي كل على حدة ثم نجمعهم مرة أخرى عند ذكر الأدلة إن شاء الله تعالى.