وعلم الأخلاق لا حاجة له ببحث هذه القوانين، وإنما الواجب على الإنسان السعي لتعرفها والكشف عنها لتزيد في رفاهيتنا وسعادة الإنسانية، فبمعرفة قوة البخار والكهرباء مثلا أمكن استخدامها في جميع مرافقنا استخداما عاد علينا بالخير العميم. (8-3) القوانين الوضعية
هذه القوانين هي مجموعة الأوامر والنواهي التي وضعها البشر لأنفسهم، فكل أمة لها قوانينها الخاصة التي وضعها الحاكم مباشرة أو بوساطة الهيئة التشريعية، فيطيعها الناس ويتخذونها مقياسا لهم، يشكلون أعمالهم على غرارها رغبة أو رهبة؛ لذلك كان المعنى الأصلي لكلمة «قانون» واضحا فيها.
ومن خواص هذه الطائفة من القوانين أنها لا تبين الواقع فقط كالقوانين الطبيعية، بل تأمر وتنهى، وأنها غير ثابتة بل تتغير تبعا لرقي المجتمع الذي وضعت له ولاختلاف الظروف والأحوال؛ ولهذا نجد هذه اللجان المتعددة التي ألفتها وزارة «العدل» لتغيير القوانين وتنقيحها.
كذلك من مميزات هذه القوانين أنه لا يؤاخذ بها إلا من عرفها وفهمها ووقف عليها، ومن ثم أوجبت الحكومات نشرها حتى يعلمها الناس، كما لا تنفذ على حديثي السن الذين لا يفهمونها. وأيضا هذه القوانين الوضعية قابلة للمخالفة، يستطيع أي إنسان ألا يعتد بها إذا كان مستعدا لتبعة مخالفته؛ ولذلك احتاجت لقوة خارجة عنها لتنفيذها. وإذا كانت القوانين الوضعية البشرية بهذه المثابة من التغير باختلاف الأمم والبيئات والأزمان، فهي لا تصلح أن تكون مقياسا أخلاقيا عاما دائما. (8-4) القوانين الإلهية
هذه القوانين هي الأوامر والنواهي التي شرعها الله - سبحانه وتعالى - لعباده، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها تنزيل من حكيم حميد، شرعها لنا لنتخذها قدوة في جميع أمورنا، ونسير على سننها في معاملاتنا وسائر أحوالنا، واتباعها كفيل بسعادة الدنيا والآخرة.
وهذه الشرائع السماوية التي توجت بالشريعة الإسلامية ثابتة لا تتغير، عامة خالدة، صالحة في كل زمان ولجميع الناس على السواء، فهي لذلك صالحة لأن تكون مقياسا أخلاقيا إذا فهمنا حكمها وأسرارها. أما حاجتنا للبحث الأخلاقي مع وجودها فموضع الكلام فيها بعد بيان النوع الأخير من القوانين، وهو القوانين الأخلاقية. (8-5) القوانين الأخلاقية
هي مجموع القواعد الأدبية التي تنظم سلوك الناس، بمعنى أن الإنسان العاقل المختار في إرادته يجب أن يشكل سلوكه على ضوئها في ظروف الحياة المتنوعة، وبهذا نصل جميعا للمثل الأعلى للحياة الأخلاقية الكاملة.
والقوانين الأخلاقية ثابتة لا تتغير وإن تفاوتت الضمائر البشرية قليلا أو كثيرا في فهم معانيها أو تطبيقها بتأثير الزمن أو الملابسات المختلفة، فما كان خيرا في الماضي هو خير في نفسه في الحاضر وفي المستقبل أيضا، كالصدق والشجاعة والأمانة والمحافظة على الحياة مثلا. وهي مطلقة لا تقبل استثناء، فلا تتعلق بشرط ولا مفر لأحد منها؛ إذ تفرض نفسها بوساطة الضمير على الناس جميعا، وهي واضحة يفهمها الجميع على السواء، العالم والجاهل والبدوي والحضري؛ لأن الضمير يقرها لهم جميعا، وإن اختلفت أنظارهم في بعض الجزئيات. وقد تقدم لهذا زيادة بسط وإيضاح.
ومن خواص القوانين الأخلاقية أيضا أنها إلزامية يلتزم المرء طاعتها بدون إجبار من قوة خارجة عنها، وأنها من الممكن أن تكون عملية في كل الأحوال؛ لأن الإنسان العاقل يستطيع دائما تمييز الخير من الشر، ويريد طبعا من نفسه أن يكون خيرا في أعماله لا شريرا، وإنما كانت هكذا لأن من شرط الإلزام الإمكان، وإن أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع. (8-6) الفروق بين هذه القوانين
بمراجعة أنواع القوانين التي ذكرناها، ومميزات وخصائص كل منها، يستطاع تبين الفروق بينها، إلا أنه يهمنا إيضاح الفروق التي بين القوانين الوضعية والأخلاقية؛ لأن القوانين الطبيعية ليست كما قدمنا محل بحث علم الأخلاق، وإنما هي موضع عناية دارس العلوم الطبيعية، ولأن الفرق بين القوانين الإلهية والقوانين الأخلاقية لا يكاد يذكر، فإن استمدادها في جملتها وتفصيلها من الدين وما جاء به من تشريع عادل حكيم. (أ) الفرق بين القوانين الأخلاقية والوضعية